الخلق درجة. والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل ، من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة ، وجهاد ، ونفع متعد وقاصر. ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير وينشطها ، ما رتب الله عليها من الثواب ، قال : (أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيجمعكم ليوم القيامة بقدرته ، فيجازي كل عامل بعمله (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى). ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل ، كالصلاة في أول وقتها ، والمبادرة إلى إبراء الذمة من الصيام ، والحج ، والعمرة ، وإخراج الزكاة ، والإتيان بسنن العبادات وآدابها ، فلله ما أجمعها وأنفعها من آية!!
[١٤٩] أي : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) في أسفارك وغيرها ، وهذا للعموم ، (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) ، أي : جهته. ثم خاطب الأمة عموما ، فقال : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). وقال : (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أكده ب «إن» واللام ، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة ، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال. (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ، بل هو مطلع عليكم في جميع أحوالكم ، فتأدبوا معه ، وراقبوه بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإن أعمالكم غير مغفول عنها ، بل مجازون عليها أتم الجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر.
[١٥٠] وقال هنا : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) ، أي : شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة ، لينقطع عنكم احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين ، فإنه لو بقي مستقبلا لبيت المقدس ، لتوجهت عليه الحجة ، فإن أهل الكتاب يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة هي الكعبة ، البيت الحرام. والمشركون يرون أن من مفاخرهم هذا البيت العظيم ، وأنه من ملة إبراهيم ، وأنه إذا لم يستقبله محمد صلىاللهعليهوسلم ، توجهت نحوه حججهم ، وقالوا : كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم ، وهو من ذريته ، وقد ترك استقبال قبلته؟ فباستقبال القبلة قامت الحجة على أهل الكتاب والمشركين ، وانقطعت حججهم عليه. (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، أي : من احتج منهم بحجة ، هو ظالم فيها ، وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم ، فهذا لا سبيل إلى إقناعه والاحتجاج عليه ، وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على سبيل الاحتجاج ، محلّا يؤبه لها ، ولا يلقى لها بال ، فلهذا قال تعالى : (فَلا تَخْشَوْهُمْ) لأن حجتهم باطلة ، والباطل كاسمه ، مخذول ، مخذول صاحبه ، وهذا بخلاف صاحب الحق ، فإن للحق صولة وعزا ، يوجب خشية من هو معه ، وأمر تعالى بخشيته التي هي رأس كل خير ، فمن لم يخش الله ، لم ينكف عن معصيته ، ولم يمتثل أمره. وكان صرف المسلمين إلى الكعبة ، مما حصلت فيه فتنة كبيرة ، أشاعها أهل الكتاب ، والمنافقون ، والمشركون ، وأكثروا فيها من الكلام والشبه ، فلهذا بسطها الله تعالى ، وبينها أكمل بيان ، وأكدها بأنواع من التأكيدات ، التي تضمنتها هذه الآيات : منها : الأمر بها ، ثلاث مرات مع كفاية المرة الواحدة ، ومنها : أن المعهود ، أن الأمر ، إما أن يكون للرسول ، فتدخل فيه الأمة ، أو للأمة عموما ، وهذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله : (فَوَلِّ وَجْهَكَ) ، والأمة عموما في قوله : (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ). ومنها : أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة ، التي أوردها أهل العناد ،
