وأبطلها شبهة شبهة ، كما تقدم توضيحها ، ومنها : أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب ، ومنها قوله : (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) ، فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف ، ولكن مع هذا قال : (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ). ومنها : أنه أخبر ـ وهو العالم بالخفيات ـ أن أهل الكتاب متقرر عندهم ، صحة هذا الأمر ، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. ولما كان توليته لنا إلى استقبال القبلة نعمة عظيمة ، وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته ، لم يزل يتزايد ، وكلما شرع لهم شريعة ، فهي نعمة عظيمة ، قال : (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ). فأصل النعمة ، الهداية لدينه ، بإرسال رسوله ، وإنزال كتابه ، ثم بعد ذلك ، النعم المتممات لهذا الأصل ، لا تعد كثرة ، ولا تحصر ، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا ، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم ، وأعطى أمته ، ما أتم به نعمته عليه وعليهم ، وأنزل الله عليه : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً). فلله الحمد على فضله ، الذي لا نبلغ له عدا ، فضلا عن القيام بشكره ، (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، أي : تعلمون الحق ، وتعملون به ، فالله تبارك وتعالى ـ من رحمته ـ بالعباد ، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير ، ونبههم على سلوك طرقها ، وبينها لهم أتم تبيين. حتى أن في جملة ذلك ، أنه يقيض للحق ، المعاندين له فيجادلون فيه ، فيتضح بذلك الحق ، وتظهر آياته وأعلامه ، ويتضح بطلان الباطل ، وأنه لا حقيقة له ، ولو لا قيامه في مقابلة الحق ، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق ، وبضدها تتبين الأشياء ، فلو لا الليل ، ما عرف فضل النهار ، ولو لا القبيح ، ما عرف فضل الحسن ، ولو لا الظلمة ما عرف منفعة النور ، ولو لا الباطل ، ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا ، فلله الحمد على ذلك.
[١٥١] (كَما أَرْسَلْنا) ، يقول تعالى : إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع ، والنعم المتممة ، ليس ذلك ببدع من إحساننا ، ولا بأوله ، بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها ، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم ، تعرفون نسبه وصدقه ، وأمانته وكماله ونصحه. (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا) ، وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها ، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، التي دلتكم أولا ، على توحيد الله وكماله ، ثم على صدق رسوله ، ووجوب الإيمان به ، ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب ، حتى حصل لكم الهداية التامة ، والعلم اليقيني. (وَيُزَكِّيكُمْ) ، أي : يطهر أخلافكم ونفوسكم ، بتربيتها على الأخلاق الجميلة ، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة ، وذلك كتزكيتهم من الشرك إلى التوحيد ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الخيانة إلى الأمانة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع إلى التحابب والتواصل والتوادد ، وغير ذلك من أنواع التزكية. (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ) ، أي : القرآن ، ألفاظه ومعانيه ، (وَالْحِكْمَةَ) ، قيل : هي السنة ، وقيل : الحكمة ، معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها ، وتنزيل الأمور منازلها. فيكون ـ على هذا ـ تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب ، لأن السنة ، تبين القرآن وتفسره ، وتعبر عنه. (وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) ، لأنهم كانوا قبل بعثته في ضلال مبين ، لا علم ولا عمل ، فكل علم أو عمل ، نالته هذه الأمة فعلى يده صلىاللهعليهوسلم ، وبسببه كان ، فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق ، وهي أكبر نعم ينعم بها على عباده ، فوظيفتهم شكر الله عليها والقيام بها.
[١٥٢] فلهذا قال تعالى : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) ، فأمر تعالى بذكره ، ووعده عليه أفضل جزاء ، وهو ذكره لمن ذكره ، كما قال تعالى على لسان رسوله : «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». وذكر الله تعالى أفضله ، ما تواطأ عليه القلب واللسان ، وهو الذي يثمر معرفة الله ومحبته ، وكثرة ثوابه ، والذكر هو رأس الشكر ، فلهذا أمر به خصوصا ، ثم من بعده أمر بالشكر عموما ، فقال : (وَاشْكُرُوا لِي) ، أي :
على ما أنعمت عليكم بهذه النعم ، ودفعت عنكم صنوف النقم ، والشكر يكون بالقلب ، إقرارا بالنعم واعترافا ، وباللسان ذكرا وثناء ، وبالجوارح طاعة لله وانقيادا لأمره ، واجتنابا لنهيه. فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة ، وزيادة
