عن منازل الرجال.
[٨٨] يقول تعالى : إذا تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد ، فالله سيغني عنهم ، ولله عباد وخواص من خلقه ، اختصهم بفضله ، يقومون بهذا الأمر ، وهم (الرَّسُولُ) محمد صلىاللهعليهوسلم (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) غير متثاقلين ولا كسلين ، بل هم فرحون مستبشرون ، (وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ) الكثيرة في الدنيا والآخرة ، (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الّذين ظفروا بأعلى المطالب ، وأكمل الرغائب.
[٨٩] (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٨٩) ، فتبا لمن لم يرغب بما رغبوا فيه ، وخسر دينه ، ودنياه ، وأخراه ، وهذا نظير قوله تعالى : (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً) (١٠٧). وقوله : (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ).
[٩٠] يقول تعالى : (وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ). أي : جاء الّذين تهاونوا ، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد ، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم ، وعدم حيائهم ، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الّذين كذبوا الله ورسوله منهم ، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية ، ويحتمل أن معنى قوله : (الْمُعَذِّرُونَ) أي : الّذين لهم عذر ، أتوا إلى الرسول صلىاللهعليهوسلم ليعذرهم ، ومن عادته أن يعذر من له عذر. (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في دعواهم الإيمان ، المقتضي للخروج ، وعدم علمهم بذلك ، ثمّ توعدهم بقوله : (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) في الدنيا والآخرة.
[٩١ ـ ٩٢] لما ذكر المعتذرين ، وكانوا على قسمين ، قسم معذور في الشرع ، وقسم غير معذور ، ذكر ذلك بقوله : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ) في أبدانهم وأبصارهم ، الّذين لا قوة لهم على الخروج والقتال. (وَلا عَلَى الْمَرْضى) وهذا شامل لجميع أنواع المرض ، الذي لا يقدر صاحبه على الخروج والجهاد ، من عرج ، وعمى ، وحمى ذات الجنب ، والفالج ، وغير ذلك. (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ) أي : لا يجدون زادا ، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم. فهؤلاء ، ليس عليهم حرج ، بشرط أن ينصحوا لله ورسوله ، بأن يكونوا صادقي الإيمان ، وأن يكون من نيتهم ، وعزمهم ، أنهم لو قدروا لجاهدوا ، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث ، والترغيب ، والتشجيع على الجهاد. (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) أي : من سبيل يكون عليهم فيه تبعة ، فإنهم ـ بإحسانهم ، فيما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد ـ أسقطوا توجه اللوم عليهم ، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه ، سقط عنه ما لا يقدر عليه. ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي : أن من أحسن على غيره ، في نفسه ، أو في ماله ، ونحو ذلك ، ثمّ ترتب على إحسانه ، نقص أو تلف ، أنه غير ضامن لأنه محسن ، ولا سبيل على المحسنين ، كما أنه يدل على أن غير المحسن ـ وهو المسيء ـ كالمفرط ، أن عليه الضمان. (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ومن مغفرته ورحمته ، عفا عن العاجزين ، وأثابهم بنيتهم الجازمة ، ثواب القادرين الفاعلين. (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) فلم يصادفوا عندك شيئا (قُلْتَ)
