إليّ ، فأعمل به في نفسي ، وأدعو الخلق كلهم إلى ذلك. فإذا عرفت منزلتي ، فلأي شيء يبحث الباحث معي ، أو يطلب مني أمرا لست أدعيه. وهل يلزم الإنسان ، بغير ما هو بصدده؟ ولأي شيء ـ إذا دعوتكم ، بما يوحى إليّ ـ تلزمونني أني أدعي لنفسي غير مرتبتي. وهل هذا ، إلا ظلم منكم ، وعناد ، وتمرد؟ قل ـ لهم في بيان الفرق ، بين من قبل دعوتي ، وانقاد لما أوحي إليّ وبين من لم يكن كذلك ـ (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) فتنزلون الأشياء منازلها ، وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار؟
[٥١] هذا القرآن ، نذارة للخلق كلهم ، ولكن إنما ينتفع به (الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ). فهم متيقنون للانتقال ، من هذه الدار ، إلى دار القرار ، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ) أي : من دون الله (وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) أي : لا من يتولى أمرهم ؛ فيحصل لهم المطلوب ، ويدفع عنهم المحذور ، ولا من يشفع لهم ، لأن الخلق كلهم ، ليس لهم من الأمر شيء. (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الله بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإن الإنذار موجب لذلك ، وسبب من أسبابه.
[٥٢] (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي : لا تطرد عنك ، وعن مجالستك ، أهل العبادة والإخلاص ، رغبة في مجالسة غيرهم ، من الملازمين لدعاء ربهم ، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها ، ودعاء المسألة ، في أول النهار وآخره ، وهم قاصدون بذلك ، وجه الله ، ليس لهم من الأغراض ، سوى ذلك الغرض الجليل. فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم ، بل هم مستحقون لموالاتك إياهم ومحبتهم ، وإدنائهم ، وتقريبهم ، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء ، والأعزاء ـ في الحقيقة ـ وإن كانوا ـ عند الناس ـ أذلاء. (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) أي : كل له حسابه ، وله عمله الحسن ، وعمله القبيح. (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) وقد امتثل صلىاللهعليهوسلم هذا الأمر ، أشد امتثال. فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين ، صبر نفسه معهم ، وأحسن معاملتهم ، وألان لهم جانبه ، وحسن خلقه ، وقربهم منه ، بل كانوا هم ، أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات ، أن أناسا من قريش ، أو من أجلاف العرب ، قالوا للنبي صلىاللهعليهوسلم : إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك ، فاطرد فلانا وفلانا ، أناسا من فقراء الصحابة ، فإنا نستحي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء. فحمله حبه لإسلامهم ، واتباعهم له ، فحدثته نفسه بذلك ، فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها.
[٥٣] (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا) أي : هذا ، من ابتلاء الله لعباده ، حيث جعل بعضهم غنيا ؛ وبعضهم فقيرا ، وبعضهم شريفا ، وبعضهم وضيعا. فإذا منّ الله بالإيمان على الفقير ، أو الوضيع ؛ كان محل محنة للغني والشريف. فإن كان قصده الحقّ واتباعه ، آمن وأسلم ، ولم يمنعه من ذلك مشاركة الذي يراه دونه ، بالغنى أو الشرف. وإن لم يكن صادقا في طلب الحقّ ، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحقّ. وقالوا ـ محتقرين لمن يرونهم دونهم ـ : (أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا). فمنعهم هذا ، من اتباع الحقّ ، لعدم ذكائهم. قال الله ـ مجيبا لكلامهم ، المتضمن ، الاعتراض على الله في هداية هؤلاء ، وعدم هداية الله إياهم. (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ
