ولما كانت رؤوس قريش تعتقد بأن الأنصار لن يقبلوا بأحدهم خليفة للرسول ـ وهم الطلقاء والمؤلفة قلوبهم ، سواء كانوا من بني أمية أو غيرهم ـ فسلَّموا أن يكون الخليفة من المهاجرين ومن الصحابة الكبار ، حيث سيرضى الأنصار ويسلّمون له بالخلافة كما جرى في السقيفة وما بعدها.
كل تلك الحقائق أدركها عليّ ، ولذلك بايع مُكرهاً ، ولأنه إن لم يبايع ، فسيُقتل حتماً وسيواجه أهل البيت قمعاً وتصفية من قبل قريش وأعوانها في المدينة ، ولغزت قريش المدينة واقتلعت الاسلام من الجذور ، أو بقي الدين ـ على أقل تقدير ـ شكلياً ـ ليس له أية صلة بالإسلام الذي جاء به البشير النذير.
إن تصفية أهل البيت ـ وبالذات عليّ ـ يعني أفول المصدّر الذي يصحّح المسيرة الاسلامية من الانحراف الكامل ، كما ان وجود أهل البيت والائمة الاثني عشر الذين بشّر بهم رسول الله ، كحجج الله على الأرض ، أمر ضروري لتثبيت شرع الله ، وهم الذين وعد بهم الرسول في العديد من الأحاديث الشريفة ، وبهم تثبت الحجة على البشرية ، وبهم تُقوَّم الأمّة من السقوط في مهاوي الانحطاط التام.
ان الارتداد عن الاسلام الذي بدأ قبيل وفاة الرسول ، واشتداده في أوائل عهد أبي بكر ، والاوضاع الحرجة التي كانت تشهدها الجزيرة العربية ، فضلاً عن تهديد الروم من جانب بلاد الشام ، والخوف من تهديد قريش الذين كانوا لا يروق لهم أن يتبوأ عليّ منصب الخلافة بعد رسول الله ، وما تؤدي إليه كل هذه التحديات من تفتيت المسلمين وتآكل دولتهم الفتية ، كل هذه الأسباب والعوامل دفعت بعلي إلى المسالمة مع الحاكم والخليفة الجديد الذي حكم الأمّة بعد الرسول صلىاللهعليهوآله ، والذي لقي دعماً من أكثر المهاجرين والأنصار ، فضلاً عن قريش بالرغم من ان الخليفة الحقيقي لرسول الله وهو عليّ لا سواه.
