وهكذا ضاعت مقاصد الشرع بضياع تقوى الله ، وأُهملت قواعده الكلية.
ولقد هان الرجال الذين يحمون بيضة الدين ، وهان على الناس دينهم حتى غدا تجاوز الحدود ، أمراً يقبل عليه الناس بحجّة التيسير ، فصار ذلك شأن بعض المفتين من الذين هدموا جدار الهيبة ، وأباحوا لأنفسهم الإفتاء بما يستجيب لهوى النفوس ، قابلهم فرق تصلّب وتشدّد ، وحاول أن يبحث عن أغلظ الأقوال وأشدّها ليفتي من يستفتيه ، ظناً منه أنه في هذا يخدم الاسلام (١).
وهكذا أمسى حال المسلمين مع الاسلام اليوم ، لقد تفرّقت الأمّة شراذم وفئات ، وانحسر الفكر الاسلامي ، ولم يعد هو المهيمن على حياة المسلمين وتفكيرهم ، وانفتحت عقول المسلمين وقلوبهم لكل ألوان الفكر المغاير للاسلام (٢).
إذن فمن الخطأ اعتبار أنَّ هناك اختلافاً مقبولاً ومشروعاً وسائغاً ، وآخر غير سائغ ومرفوض ، لأن أساس الاختلاف قائم على اختلاف مشروعية الاصول والقواعد الفقهية عند هذا الفقيه أو ذاك منذ الصدر الأول للاسلام ، ثم توسّع الاختلاف بمرور الأيام حتى أخذ المفتون يفتون من لدن أنفسهم ودون أي مسوّغ ودليل شرعي أو سند ديني.
وعليه فما هي قيمة المزاعم التي تؤكد الخلاف المُعتبر والسائغ الذي وجوده ظاهرة طبيعية بين أوساط الأمّة ، لا يوجب تناقضاً أو تحزّباً أو معاداة. أو هو مَعلم من معالم كمال الشريعة وصلاحها لكل زمان ومكان ، كما يدّعون.
والخلاف المُعتبر ـ حسب قول هؤلاء ـ هو ما تردّد بين طرفين واضحين وأصلين
__________________
(١) أدب الاختلاف ، ١٤٤.
(٢) أدب الاختلاف ، ١٥٧.
