انغمس بنو أمية في بحبوحة من العيش الرغيد ، لم يحلموا بها طيلة حياتهم السابقة.
أما ولاة عثمان من ذوي قرباه وأرحامه ، فقد منحهم صلاحيات مطلقة يعبثون بالرعايا حسب أهوائهم وأمزجتهم الشخصية ، الى درجة ان عامله بالكوفة سعيد بن العاص لم يتورّع من التصريح بأن السواد بستان له ولأقاربه من بني أمية دون سواهم مما أثار استياء الجماهير الغاضبة في العراق (١).
هذه السياسة المُحابية لأقاربه ، أدّت الى بث السخط في نفوس المهاجرين والانصار ، وبالذات صحابة الرسول الكرام الذين وجدوا فيها ، انحرافاً خطيراً ، ليس فقط عن السُنّة النبوية ، وإنما حتى عن سياسة الخليفة الاول والثاني اللذين لم يعرف عنهما محاباة لذوي رحمهما ، أو استغلال لبيت مال المسلمين ، وحتى عمّالهما وولاتهما لم يكونوا مُصطَفين على أساس عشائري.
وبالتالي ، ضجّت المدينة المنورة ، فضلاً عن الامصار الأخرى ، مستنكرة سيرة الخليفة الثالث وبطانته الأموية ، وعلى رأس المحتجين بالطبع ، عائشة وطلحة والزبير ، وسائر المهاجرين والانصار ، ولا ننسى أمهات المؤمنين ، إذ أخذ الكل يوجّه انتقادات لاذعة للخليفة ، ويتّهمه باقتراف الخطايا ، وخاصة عندما عاقب صحابة كباراً وأجلّاء بالضرب المبرح ، من أمثال عمار بن ياسر ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي ذر الغفاري الذي نفه عثمان الى صحراء الربذة ، حيث مات هناك ، طريداً شريداً وحيداً ، وهو الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله بأنه لم تطل خضراء ولا غبراء أصدق لهجة منه.
لم يكن الخليفة الثالث يحتمل أدنى انتقاد أو لوم. وحين واجهته أمّ المؤمنين عائشة ،
__________________
(١) الطبقات الكبرى ـ ابن سعد ٥ : ٣٢ ؛ تأريخ مدينة دمشق ـ ابن عساكر ٢١ : ١١٤ ؛ تأريخ الاسلام ـ الذهبي ٣ : ٤٣١.
