فاستجابوا لها وأقبلوا على متاعها ، وخالفوا في سبيل أمر رسول الله الذي حذّرهم من ترك مواقعهم بحيث لم يثبت حول رسول الله سوى حفنة مؤمنة. لكن يبقى الفارون المتخاذلون والعاصون ، يمتلكون صدق الايمان وحسن القصد ، وهم الرعيل الاول من أهل الايمان في الارض ، لمخالفة «غير مقصودة» ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً (١).
فلو كان الفارّون من أحد ، كما يصفهم هؤلاء بكل هذه الخصال الحميدة ، وبأن نواياهم صادقة ، فلِمَ يا ترى ذمّهم القرآن الكريم في أكثر من موقع بهذا الذمّ والتوبيخ والتحذير الشديد؟
إنها لمفارقة عجيبة لا يُصدّقها حتى السذج!! وفي معرض حديثنا عن معركة أحد ، نصّ كل مؤرخي غزوة أحد من أهل السير والأخبار ، على ان النبي خرج بألف من أصحابه ، فرجع منهم قبل الوصول ، ثلاثمائة من المنافقين ، وبقي معه منافقون لم يرجعوا خوف الافتضاح أو رغبة بالدفاع عن أحساب قومهم ، مما يدل على ان الصحابة المنافقين ليسوا قلة كما هو شائع وإنما هم أعداد غفيرة بحيث كان يغصّ بهم الجيش الاسلامي ، وان من المنافقين من كانوا يقاتلون المشركين ، خوفاً من افتضاح أمرهم ، أو دفاعاً عن أنسابهم دون إيمان أو قناعة بالحرب فعلاً ، مما يدل على مدى تغلغل المنافقين في صفوف الصحابة المؤمنين الى حد انخداعهم بهم.
وحين تناهى للمسلمين ، شائعة قتل النبي محمد «عليه الصلاة والسلام» ، أوغلو ا في الفرار لا يلوون على أحد ، كما قال تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ (٢) أليس كان من
__________________
(١) نشرة العباد ـ لبنان ـ العدد ٢٩٧ ـ (درس من اُحد).
(٢) آل عمران ١٥٣.
