فأصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله لمّا طرأت لهم بعد وفاته ، حوادث وجدّت لهم طوارئ ، شرَّعوا لها ما رأوا أن فيه تحقيق المصلحة ، وما وقفوا عن التشريع لأن المصلحة ما قام دليل من الشارع على اعتبارها ، بل اعتبروا أن ما يجلب النفع أو يدقع الضرر حسبما أدركته عقولهم هو المصلحة ، واعتبروه كافياً لأن يبنوا عليه التشريع والأحكام ، كحرب أبي بكر لمانعي الزكاة ، ودرء القصاص عن خالد بن الوليد ، وايقاع عمر للطلاق الثلاث بكلمة واحدة ، وتجديد عثمان لأذان ثانٍ لصلاة الجمعة.
بل لا يسوّغ البعض من أهل السُنّة والجماعة ، الرجوع لغير الصحابي ، وجوّز بعضهم الرجوع الى الصحابة والتابعين دون غيرهم.
فهل يا تُرى هكذا كان الصحابة في المستوى العلمي والفقهي بحيث يؤهلهم لأن يكونوا ورثة النبي وحاملي علمه وحكمته ، وأُمناء على نقل الرسالة الى الأجيال اللاحقة؟
بعض علماء أهل السُنّة يشكّون في ذلك ، ويؤكدون أن الصحابة كلّهم لم يكونوا أهل فتيا ، ولا كان الدين يُؤخذ عن جميعهم ، وإنما كان ذلك مختصاً بالحاملين للقرآن ، العارفين بناسخه ومنسوخة ومتشابهه ومُحكمه ، بما تلقوه من النبي أو ممن سمعه منهم ، وكانوا يسمّون لذلك «القرّاء» ، أي الذين يقرأون القرآن ، لأن العرب كانوا أمّة أمّية ، فاختص من كان منهم قارئاً للكتاب ، بهذا الاسم لغرابته وبقي الأمر كذلك صدر الملّة (١).
وهذا يدلّ على انّ بعض الصحابة كانوا من «العلماء» وهم القرّاء ، وهم فئة قليلة
__________________
(١) تأريخ ابن خلدون ١ : ٤٤٦.
