(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ) رياح النفحات الربانية ناشرة محيية أو مبشرة بين يدي رحمة الكمال بتجلي الصفات (وَأَنْزَلْنا) من سماء الروح ماء العلم (طَهُوراً) مطهرا يطهركم عن لوث الرذائل ورجس الطبائع والعقائد الفاسدة والجهالات المفسدة (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) أي : قلبا ميتا بالجهل (وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً) من القوى النفسانية بالعلوم النافعة العملية (وَأَناسِيَ) من القوى الروحانية (كَثِيراً) بالعلوم النظرية.
[٥٠] (وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠))
(وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ) هذا العلم المنزّل على صور وأمثال مختلفة (لِيَذَّكَّرُوا) حقائقهم وأوطانهم الحقيقية وما نسوا من العهد والوصل وطيب الأصل (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) لنعمة الهداية الحقانية ، وغمطا للرحمة الرحيمية للاحتجاب بصور الرحمة في ستور الجلال من الغواشي الهيولانية.
[٥١] (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١))
(وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً) أي : فرقنا كمالك المطلق الذي تدعو به جميع الخلق إلى الحق على أشخاص ووزعناه بحسب أصناف الناس على اختلاف استعداداتهم على الأنبياء ، كما قال : (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (١) ، فبعثنا في كل صنف نبيّا يناسبهم كما كان قبل بعثه محمد من اختصاص موسى ببني إسرائيل واختصاص شعيب بأهل مدين وأصحاب الأيكة وغير ذلك. وخففنا عنك الجهاد ، إذ الجهاد إنما يكون بحسب الكمال وكلما كان الكمال أعظم كان الجهاد أكبر لأن الله تعالى يربّ كل طائفة باسم من أسمائه فإذا كان الكامل مظهر جميع صفاته متحققا بجميع أسمائه وجب عليه الجهاد مع جميع طوائف الأمم بجميع الصفات ، ولكن ما فعلنا ذلك لعظم قدرك وكونك الكامل المطلق ، والقطب الأعظم ، والخاتم على ما ذكر في تأويل قوله : (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) (٢).
[٥٢] (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢))
(فَلا تُطِعِ) المحجوبين بموافقتهم في الوقوف مع بعض الحجب ونقصان بعض الصفات (وَجاهِدْهُمْ) لكونك مبعوثا إلى الكل (جِهاداً كَبِيراً) هو أكبر الجهادات كماقال : «ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت» ، أي : ما كمل نبيّ مثل كمالي.
__________________
(١) سورة الرعد ، الآية : ٧.
(٢) سورة الفرقان ، الآية : ٣٢.
![تفسير ابن عربي [ ج ٢ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3855_tafsir-ibn-arabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
