المنقسمة إلى القوة الغضبية والشهوية عن الغواشي البدنية والملابس الهيولانية بقطع التعلقات لكن كان عليها شعر الهيئات الباقية من أعمالها والآثار المسودة من كدوراتها ، ومن هذا قيل : يدخل سليمان الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة خريف ويحبو حبوا (ظَلَمْتُ نَفْسِي) بالاحتجاب واتخاذ العقل المشوب بالوهم ، المشرّب بالهوى ، إلها ومعبودا (وَأَسْلَمْتُ) بالانقياد لأمر الحق والانخراط في سلك التوحيد (مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) وعلى تأويل العرش بالبدن يستقيم هذا أيضا ويتجه وجه آخر وهو أن يراد أنها كانت محجوبة بمعقولها ما بقي عرشها ، وما انقادت لسليمان القلب إلا في النشأة الثانية ، فعلى هذا يكون الذي عنده علم من الكتاب هو العقل الفعّال وإيتاؤه به قبل ارتداد الطرف إيجاد البدن الثاني في آن واحد ، ومعنى : قبل أن يأتوني مسلمين تقدّم مادة البدن على تعلق النفس به. وقال ابن الأعرابي رحمهالله : إن الإتيان كان بإفنائه ثمة وإيجاده بحضرة سليمان والتنكير تغيير الصورة. ومعنى : كأنه هو أنه يشابه صورته ، والصرح هو مادة البدن الثاني ، فيكون دخول الصرح على هذا مقدّما على تنكير الصورة ، وكشف الساقين قطع تعلق البدن الأول دون زوال الهيئات البدنية التي هي بمثابة الشعر ، وهذا بناء على أن النفوس المحجوبة الناقصة لا بد لها من التعلق والله أعلم.
[٤٥ ـ ٤٦] (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦))
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ) أي : أهل الماء القليل الذي هو المعاش صالح القلب بالدعوة إلى التوحيد (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ) فريقالقوى الروحانية وفريق القوى النفسانية (يَخْتَصِمُونَ). تقول الأولى : ما جاء به صالح حق ، وتقول الثانية : بل باطل ، وما نحن عليه حق (لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ) أي : الاستيلاء على القلب بالرذيلة (قَبْلَ) الإتيان بالفضيلة (لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ) بالتنوّر بنور التوحيد ، والتنصل عن الهيئات البدنية المظلمة (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بإفاضة الكمال.
[٤٧ ـ ٥٨] (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ
![تفسير ابن عربي [ ج ٢ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3855_tafsir-ibn-arabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
