الّذى يلقّنهم الصّادقون قلبيّا كان أو لسانيّا ، فانّ الذّكر المأخوذ من ولىّ الأمر رقيقته ونازلته الّتى نزلت من مقامه العالي ولبست لباس الذّكر القلبىّ أو اللّسانىّ وتحقيق هذا المطلب قد مضى شطر منه ، وتصدق على المصاحبة النّفسيّة مع حقائقهم الملكوتيّة الّتى يعبّر عنها بصورة الشّيخ وبالسّكينة القلبيّة وبالفكر والرّحمة والنّعمة والآية الكبرى والاسم الأعظم وللاشارة الى تينك المعنيين قال تعالى : (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) لانّ هذا الذّكر والفكر صلوة حقيقيّة والصّلوة القالبيّة صورة تلك الصّلوة وقالت الصّوفيّة : ينبغي للسّالك ان يكون دائم الذّكر والفكر وقيل بالفارسيّة : «خوشا آنان كه دائم در نمازند» واستمرار تلك المعيّة امر ممكن وان كان النّاقصون من السّلاك في تعسّر منه ، فمعنى الآية يا ايّها الّذين أسلموا بالبيعة العامّة النّبويّة اتّقوا الله بالبيعة الخاصّة الولويّة وداوموا على الذّكر المأخوذ من الصّادقين ان لم تكونوا من أهل الفكر ، أو على الذكّر والفكر ان كنتم من أهل الفكر ، أو يا ايّها الّذين آمنوا بالبيعة الخاصّة الولويّة اتّقوا الله في الانصراف عن طريق القلب وداوموا على الذكّر والفكر (ما كانَ) استيناف لتعليل الأمر السّابق والمعنى ما ينبغي (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ) من أهل الشّرق والغرب فانّ ما حول المدينة بالنّسبة الى العوالم الاخر تمام الدّنيا وأهلها ما لم يدخلوا في الإسلام اعراب كلّهم وكذلك ما كان لأهل المدينة القلب والصّدر المنشرح بالإسلام ومن حولهما (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ) الّذى هو أصل في الصّدق ، وصدق سائر الصّادقين فرع صدقه (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ) بسبب محبّة أنفسهم أو في أنفسهم أو لا يرغّبوا أنفسهم على ان يكون الباء للتّعدية (عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ) اى عدم جواز التّخلّف والرّغبة (بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) عطش (وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ) مجاعة (فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً) من غلبة وقتل وأسر ونهب (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ) يعنى سواء أصيبوا أو أصابوا أثيبوا ، وللفرق بين ما عليهم وما لهم أتى بقوله في سبيل الله بين المتعاطفين كما انّ توسّط الاستثناء وتعليله بين المتعاطفات كان لذلك وللتّأكيد بالتّكرير (إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يعنى انّهم باتّباعهم لرسول الله (ص) محسنون والله لا يضيع أجر المحسنين (وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ) ذلك (لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) يعنى يكتب كلّما عملوا لينظر إليها ويجزى كلّها بإزاء أحسنها وليس المراد انّه لا يجزى الّا أحسنها ، ويجوز ان يراد هنا انّهم يجزون بأحسن ممّا عملوا. اعلم ، انّ الإنسان كما يكون في الاستكمال بحسب بدنه من اوّل صباه يكون في الاستكمال بحسب نفسه وكلّ فعل يصدر منه خيرا كان أو شرّا يحصل منه فعليّة له ، ولمّا كان واقعا بين عالمي الملائكة والشّياطين ، فان لم يتمكّن في أحد العالمين لا يمكن الحكم عليه بكونه من أهل الرّحمة أو أهل العذاب من غير تقييد بشرط البقاء على الإسلام أو الكفر ، وكان بحسب العاقبة محكوما عليه بكونه مرجى لأمر الله وان لم يكن داخلا في صنفهم ، وان دخل في أحدهما وتمكّن فيه صار جميع الفعليّات الحاصلة له مسخّرة لحاكم ذلك العالم اى العقل أو الشّيطان وصارت محكومة بحكم أحسنها أو اسوئها ، فانّ أحسن الأعمال ما كان الفعليّة الحاصلة منه مسخّرة للعقل وأسوأها ما كان الفعليّة الحاصلة منه مسخّرة للشّيطان ، وغير هذين حسن وسيّئ باعتبار قربهما الى العقل والشّيطان فاذا صار الفعليّات كلّها مسخّرة للعقل بسبب تمكّن صاحبها في اتّباع الأخيار والانقياد لهم كان جزاء كلّ الأعمال سيّئها وحسنها وأحسنها
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٢ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3364_tafsir-bayan-alsaade-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
