المنفتحة بصور الشّهب سواء كان استراق السّمع من سماوات الطّبع أو من سماوات الأرواح ، وبما ذكرنا من وجه ردع الشّياطين من سماوات الطّبع وسماوات الأرواح يمكن التّفطّن بما ورد في الاخبار ، من انّ الشّياطين كانوا يصعدون الى السّماوات ، فلمّا ولد عيسى (ع) حجبوا عن ثلاثة منها وكانوا يخرقون اربع سماوات ، فلمّا ولد رسول الله (ص) حجبوا عن السّبع ، أو كان الشّياطين يصعدون السّماء فلمّا ولد محمّد (ص) ردعوا بالشّهب وكان ليلة تولّده كثيرة الشّهب ، وأمثال ذلك كثيرة ، مع انّ الشّياطين كانوا مطرودين من سماوات الأرواح وكذا من سماوات الطّبع كما سبق والوجه في ذلك انّ السّماوات في العالم الصّغير قبل تولّد الكلمة العيسويّة كانت مجتمعة بالقوّة في السّماء الدّنيا وهي سماء النّفس الانسانيّة وهي محلّ تصرّف الشّياطين ، فاذا تولّد الكلمة العيسويّة صار بعض ما بالقوّة بالفعل كسماء الصّدر المنشرح بالإسلام وسماء القلب وسماء النّفس الانسانيّة ويبقى الباقي بالقوّة ويطرد الشّياطين بواسطة تلك الكلمة عن هذه السّماوات ، وبعد تولّد الكلمة المحمّديّة (ص) الجامعة لجميع المراتب بالفعل يصير جميع ما بالقوّة بالفعل فيتميّز السّماوات السّبع ويطرو الشّياطين من الكلّ ، الّا انّه مترصّد من جهة النّفس الحيوانيّة لان يسترق حين الفرصة من سماء النّفس الانسانيّة الدّنيا استماع بعض الأشياء فيتّبعه شهاب تذكّر الإنسان بنور الايمان واليه أشير بقوله : (إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ)(وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) جبالا ثوابت وقد ذكر وجه الانتفاع ببسط الأرض وإلقاء الجبال وانّ فيهما حكما ومصالح كثيرة (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) ان رجع ضمير فيها الى الجبال فالمراد بالموزون ما يوزن ويباع بالوزن كالفلزّات فانّها تنبت في الجبال ، وان رجع الى الأرض فالمراد الموزون المقدّر لمنافعكم والمعدود لمصالحكم ، وان كان راجعا إليهما جميعا فالمراد منه معنى اعمّ من المعنيين (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) ما تعيشون به من الملابس والمطاعم والمساكن والمراكب (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) عطف على معايش اى وجعلنا لكم خدما وإماء وعبيدا وانعاما لستم لها برازقين وكان تغليبا لجانب ذوي العقول ، أو عطف على المجرور في لكم على بعد لعدم عادة حرف الجرّ والمعنى وجعلنا لكم معايش وجعلنا لمن لستم له برازقين معايش كالمجانين والسّفهاء وغيرهم من أهل الجزائر الّذين يعيشون كالبهائم والسّباع ويلحقون بها.
بيان انّ لكلّ شيء خزائن عند الله
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) اعلم ، انّه قد يطلق الشّيء ويراد به ما يساوق الموجود فيشمل الحقّ الاوّل تعالى شأنه ، وقد يطلق ويراد به الشّيء وجوده فلا يشمل الحقّ الاوّل ولا حضرة الأسماء ولا حضرة الفعل الّذى هو مبدء إضافاته ، ويشمل الممكنات كلّها من حضرة العقول المعبّر عنها بالأقلام العالية والملائكة المقرّبين ، وحضرة الأرواح المعبّر عنها بأرباب الأنواع والصّافّات صفّا ، وحضرة النّفوس الكلّيّة المعبّر عنها بالالواح الكلّيّة المحفوظة والمدبّرات امرا ، وحضرة النّفوس الجزئيّة المعبّر عنها بألواح المحو والإثبات وبعالم المثال باعتبارين ويشمل موجودات عالم الطّبع تماما ، وكلّ ما في تلك الحضرات له حقيقة في حضرة الأسماء وحقيقة في حضرة الفعل والاضافة الالهيّة الاشراقيّة ، وكلّ ما في حضرة الفعل له حقيقة أيضا في حضرة الأسماء ، وكلّ ما في حضرة الأرواح له حقيقة في حضرة الأقلام وحقيقة في حضرة الفعل وحقيقة في حضرة الأسماء ، وهكذا حضرة النّفوس الكلّيّة وما فيها وحضرة النّفوس الجزئيّة وما فيها وعالم الطّبع وما فيها ، وبعبارة اخرى كلّ دان له صورة بالاستقلال في العالي وصورة بالاستقلال في عالى العالي وصورة بتبع العالي في عالى العالي فلكلّ شيء من الممكنات حقائق في حضرة
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٢ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3364_tafsir-bayan-alsaade-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
