لا يترك أيّ فراغ يحتاج معه الإنسان للرجوع إلى ما وضعه الآخرون من أصحاب الأفكار الكافرة أو الضالة ، من نظريات نفسية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. وهو لا يثير أيّة مشكلة على مستوى تحقيق التوازن في حركة الشخصية الإنسانية بين المادة والروح ، وبين الذات والجماعة ، وبين الجانب العقلي والجانب الشعوري ، ليعيش الإنسان على الصورة التي يرضاها الله ، في ما يعلمه من عمق المصالح والمفاسد الكامنة في واقع الحياة ، لذا كان الخطاب حاسما للنبي ، وللأمة ، من خلاله ، في دعوتها إلى اتباع هذه الشريعة ، على النهج الذي بيّنه الله في كتابه ، وخططه الرسول في ما ألهمه الله من ذلك الأمر.
(فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) في ما يضعونه من شرائع ، أو يركزونه من مفاهيم أو يعدّونه من برامج ، أو يحركونه من أساليب ، أو يثيرونه من أفكار ، تنطلق من الأهواء المتحركة في ساحة الأطماع والشهوات ، بعيدا عن عمق المصلحة الإنسانية في دائرة التوازن ، على خط الاستقامة.
إن الله لا يريد للإنسان المسلم أن ينعزل عن ثقافة الآخرين وحضارتهم بالمطلق ، ولكنه يريد له أن يقف على قاعدة صلبة من الشريعة التي يدعوه الإسلام إلى الالتزام بها ، ثم يواجه ما عند الآخرين بالرفض أو التأييد استنادا إلى المفاهيم الثابتة في قاعدته الفكرية من مواقع القناعة ، لا من مواقع التعصب ، فالإسلام يؤكد الثبات في مواجهة الاهتزاز ، والحوار الفكري في مقابل التعصب.
إن الآية توجّه المسلم إلى نقاط الضعف التي يحاول الآخرون ، ممن لا يملكون العلم ، إثارتها في نفس الداعية لتبعث فيه الاهتزاز لحملة على الانهيار والوقوع تحت تأثير الأجواء الضاغطة التي تدفعه إلى الانحراف من موقع الخوف ، أو الانبهار ، لتؤكد له أن يقف ثابتا في مواقعه من عمق القوّة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3285_tafsir-men-wahi-alquran-20%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
