سنّة الله في عباده ، فإن نعم الله التي ينزلها على عباده ، في ما تقتضيه رحمته وحكمته ، لا تتغير ولا تتبدّل ما دامت النيات خالصة ، والخطوات مستقيمة على النهج الذي يحبه الله ويرضاه ، فلا ينزل عذابه في الدنيا ، ولا عقابه في الآخرة ، إلا بعد أن يغيروا ما بأنفسهم ، في ما يواجهون به الأنبياء والدعاة إلى الله من جحود وكفران وتمرّد وعصيان ، وما يفسدون به الحياة بعد إصلاحها ، ولذلك فإن الأمم السابقة لم تتعرض للعذاب أو للبلاء ، إلّا بعد وصولها إلى المدى الذي يمثل الخطورة على مسيرة الإيمان والمؤمنين في ما يواجهونه من التحديات والتعديات في هذا المجال.
وهكذا نستطيع أن نعرف أن تغيير النعم وزوالها خاضع للسلوك العملي للناس ، في ما يفعلون ويتركون. فإذا أرادوا بقاء النعمة ، فعليهم الاستمرار في الانفتاح على الله وفي الإخلاص له ولعباده ، لأن ذلك هو السبيل الذي تتحرك فيه النعم في حياتهم. ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حتميّة في تغيير الواقع عند تغيير النيّات والأعمال ، فقد تقتضي حكمة الله أن يبقي لبعض عباده نعمتهم ، مع اختلاف نواياهم وأعمالهم ، لأن هناك جانبا آخر يفرض بقاءها واستمرارها. وتلك هي أسرار الله في خلقه ، لا يعلمها إلا هو. (وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يسمع كل شيء ويعلم بكل شيء ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض.
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) ، وكانوا يتقلّبون في نعم الله ، في ما يملكونه من ثروات وإمكانيات ، وما يتقلبون به من رخاء وجاه وسلطان ، ولكنهم لم يشكروا الله على ذلك ، عند ما أرسل رسوله موسى بآياته ليخرجهم من ظلمات الضلال إلى نور الهدى ، فتمرّدوا واستكبروا وكذبوا بآيات الله. (فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ). سواء كانوا في مواقع المسؤولية فأضلوا وضلوا ، أو كانوا في القاعدة فظلموا أنفسهم باتّباع الظالمين والمستكبرين ، ولم يستجيبوا لرب العالمين.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
