لأنكم تملكون من العدد والعدّة ما لا يملكون. فهم في موقع الضعف ، وأنتم في موقع القوّة ، فلا تخافوا من الهزيمة. (وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) أجيركم من كل سوء ، وأمنحكم القوّة عند الضعف ، وأثبتكم عند الاهتزاز.
(فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ) ووقفتا في موقف المجابهة الحاسم ، وظهرت الغلبة للمسلمين على المشركين ، وبرز الإمداد الإلهي في أكثر من مظهر ، (نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) ورجع القهقرى منهزما في عملية تراجعية واضحة ، وفي حركة هروب من المسؤولية ؛ وتخلّى عن كل وعوده. (وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) فليست لي علاقة بكم من قريب أو بعيد ، لأن المسألة بالغة التعقيد ، لما تحمله من نتائج المسؤولية. (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) مما يوحي بالهول والرعب والفزع والهزيمة (إِنِّي أَخافُ اللهَ) في عقابه وعذابه. (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ).
وقد تحدثت الروايات الواردة في أسباب النزول عن تمثّل الشيطان بصورة شخص يدعى سراقة ، وعن حديثه مع قريش في المعركة ، بالطريقة التي تحدّثت بها الآية ، في ما وعدهم به في البداية وما خوّفهم منه في النهاية. وقد أنكرها بعض المفسرين لضعف أسانيد الرواية ، وحمل الآية على التصور الشيطاني الذي كان يسيطر على قريش في ما كان يوسوس لهم من الإحساس بالعظمة والزهو والكبرياء ، والشعور بالقوة المطلقة التي لا غالب لها ... ثم تتابعت الأحداث لتقلب الوضع رأسا على عقب ، ولتواجههم بالهزيمة التي تتضاءل معها شياطينهم وما توسوس به وتدفع إليه ، تماما كما ورد في الآية الكريمة : (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) [الحشر : ١٦] ، فإنّ الظاهر ورودها مورد الحديث عن الطريقة الشيطانية في الإضلال ، حتى إذا وقع الإنسان في الضلال ، ابتعد عنه ، وتركه يواجه المسؤولية بنفسه. وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى : (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
