الفكر والعمل ، فإن ذلك هو السبيل لرأب الصدع ، وردم الهوّة ، وإصلاح الفساد ، وتركيز العلاقات على قاعدة ثابتة ، لأن اكتشاف مواطن اللقاء هو الذي يقود إلى حلّ مواطن الخلاف. (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) ، فذلك هو الخطّ المستقيم الذي يحفظ للإنسان المؤمن خطواته من الزلل ، ويصونه من الانحراف ، ويؤمن لحركته التوازن في مواجهة تعقيدات الحياة وتشابك الخطوط التي تحفل بها. فتكون طاعة الله في ما يشرعه ، وطاعة الرسول في ما يفصّله ويطبّقه ، هي النهج السليم الذي يمثّل الخطّ الفاصل بين الهدى والضلال. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لأن الإيمان ليس فكرا مجرّدا يحدد للإنسان خط النظرية فحسب ، بل هو ممارسة عملية فاعلة ، في انطلاقته من أجل تغيير ذاته ، وتغيير الحياة على أساس تلك النظرية.
* * *
من هم المؤمنون؟
وفي ضوء ذلك ، كانت الجوانب الروحية والعملية هي التي تقدّم صورة المؤمن ـ النموذج ـ في ما جاءت به الآيات التالية : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ، وعاشت الشعور بالخشية منه ، في ما يتمثلونه من عظمة الله في مظاهر قدرته في خلقه ، وفي وحدانيته ووجوده ، بالمستوى الذي يشعرون معه بأنّ الكون كلّه ظلّ لوجوده ، فهو الحقيقة وكل ما عداه خيال ... ولكنّ هذا الوجل لا يمثّل حالة انسحاق يلغي في الإنسان الإرادة ، بل يمثّل حالة المسؤولية التي تحرك إرادته في الجانب المشرق من الحياة ، عند ما توحي له بأن حركته ليست محكومة لمزاجه أو مزاج الآخرين ، بل هي خاضعة للقوّة المهيمنة التي تخطّط لإرادته كما تخطط لفكره ، وبذلك كان الخوف من الله حافظا لإنسانيته من الانحراف تحت تأثير الضغوط ، ورادعا له من الخضوع للشهوات والنزوات المنحرفة ، وموجّها له للسير في الخط المستقيم ...
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
