يعيشها موسى إزاء ما حدث ، وربّما تحدّث الكثيرون عن مبدأ العصمة في شخصيته كنبيّ ، وعن التساؤل الإيمانيّ في مدى انسجام هذا التصرف الغاضب مع هذا المبدأ ، ولكننا لا نجد تنافيا بينهما إذا أردنا أخذ القضية ببساطة بعيدا عن التعقيد والتكلف ، فموسى بشر يغضب كما يغضب البشر ، ولكن الفرق بينه وبينهم ، أن لغضبه ضوابط ، فلا يتصرف بما لا يرضي الله ، ولا يغضب إلا لما يرضاه الله. وقد غضب على قومه لله ، وعلى أخيه هارون للغرض نفسه.
لقد اعتبر أخاه مسئولا عما حدث بسبب تساهله معهم ، وعدم ضغطة عليهم ومنعهم من ذلك ، فقد كان تقديره ، أنه إذا رفع درجة الضغط ، يمكن أن يساهم ذلك في منع ما حدث ـ مما لم يقم به هارون ـ فكان موسى منسجما مع نفسه ، ومع دوره وصفته في ما اتخذه من إجراء مع هارون ، ولكن هارون كان له رأي آخر ، فقد وقف ضدّهم ، وواجههم بكل وسائل الضغط التي يملكها ، ولكنهم كانوا لا يهابونه كما يهابون موسى صاحب الشخصية القوية التي واجه بها فرعون بكل طاغوتيته. وكانوا يرون في فرعون القدرة التي لا حدّ لها في ما كان يتميز به من قوّة بدنية وروحية وقيادية ... أما هارون ، فقد كان ـ في ما يبدو ـ في الظلّ مجرد تابع لموسى ، فلم يظهر له دور إلا في المواجهة الأولى مع فرعون. فاستضعفه القوم بالرغم من مركزه كخليفة لموسى ونائب له. (قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ) ، فلم أفعل ما أحاسب عليه ، لأن الظروف كانت أقوى من قدرتي ، فقاومت حتى لم يعد هناك مجال للمقاومة ، وجابهت حتى كدت أقتل ، فإذا تصرفت معي بهذه الطريقة ، فإن ذلك سوف يكون دافعا لشماتة الأعداء بي ، لأنني قاومتهم وجابهتهم ، وها هم يرونني أمامك واقفا وقفة المذنب دون ذنب ، فلا تفعل بي ذلك ، (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) لأني قمت بما اعتقدت أنه مسئوليتي دون تقصير.
وشعر موسى بالحرج ، وسكن غضبه ، فرجع إلى الله يستغفره لنفسه
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
