واقع المستكبرين في الأرض ومصيرهم
وهذه صورة أخرى لبعض النماذج الإنسانية ، من الجاحدين لآيات الله ، السائرين في طريق الضلال ، وهي صورة حيّة متحركة في أكثر من اتجاه ، وفي أكثر من مجتمع ، وقد أراد الله تقديمها إلينا لنستوحي منها كيف تكون الغفلة عن الله وعن آياته سببا في ضلال الإنسان وهلاكه ووصوله إلى الدرك الأسفل من الانحطاط والسقوط ، وفي بعده عن رحمة الله وهدايته.
(سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) ، فأتركهم ليسيروا على هواهم ، في ما يريدون وما لا يريدون ، فلا أمنحهم لطفا من ألطافي التي أمدّ بها المؤمنين ، عند ما تنحرف بهم الطريق عن غير قصد واختيار ، فأهداهم بذلك إلى الصراط المستقيم ، لأنهم عاشوا الحياة من أجل السير في طريق الهداية. أمّا هؤلاء فإنهم لم يريدوا الاهتداء بما أنزلت إليهم من هدى الوحي والرسالة ، ولم يحركوا طاقاتهم الذاتية في هذا الاتجاه ؛ فحذّرتهم فلم يحذروا ، وخوّفتهم فلم يخافوا ، وأنذرتهم فلم يذعنوا ، فسأتركهم لما اختاروه ، وسأصرفهم عن آياتي من خلال ذلك. (الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) ، فهم يتحرّكون من موقع العقدة الذاتية المرضيّة التي تشعرهم بالاستعلاء والكبرياء ، فتوحي لهم بأنهم أعظم من أن يذعنوا للفكر الذي يأتيهم من خارج ذواتهم ، وأكبر من أن يخضعوا لإنسان ما ـ حتى لو كان نبيّا ـ وتتعاظم عندهم العقدة ، لتمنعهم من الاستسلام لأمر الله والإيمان بآياته ، دون أن يكون لهم أيّ حقّ أو أيّة حجة في ذلك كلّه ، لأنه لا مجال للكبرياء إلا لله ، وكل من هو غيره مخلوق حقير لا يملك امتيازا على غيره إلا بالعلم والتقوى ، وهما الصفتان اللتان توحيان بالتواضع وتمنعان عن التكبّر.
(وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) ، لأن العقدة تمنعهم عن الانطلاق
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
