منه ، والوصول إلى الدرجة العليا من رضوانه ، وبما توهّج في كيانه من إشراق النور الإلهي في لحظة روحيّة حالمة ، فطلب من ربّه أن ينظر إليه ، فقال : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) فقد خيّل إليه أن من يسمع كلام الله يستطيع أن يراه ، أو يمكن له أن يطلب رؤيته. وهنا يقف المفسّرون وقفة حيرة فلسفية كلاميّة ، فكيف يمكن لهذا النبي العظيم أن يطلب مثل هذا الطلب المستحيل من ربّه؟ وهو يعرف من خلال سمو درجته ، ورفعة منزلته في عالم المعرفة بالله ، أنّ الله ليس جسدا ماديا محسوسا حتى تمكن رؤيته ، فهو ليس كمثله شيء؟! وأجاب بعضهم بأنّ المراد بالنظر الرؤية القلبية ، وهي كناية عن العلم الواسع بالحقيقة الإلهية. وأجاب آخرون بأنه لم يسأل ربّه انطلاقا من قناعة بالسؤال أو من انسجام معه ، بل كان سؤاله استجابة لسؤال قومه الذين رافقوه إلى الموعد الإلهيّ ؛ فأراد أن يجعلهم وجها لوجه أمام الجواب الصاعق على هذا السؤال.
ولكنّنا لا نستبعد أن يسأل موسى هذا السؤال ، فقد لا نستبعد من ناحية التصور والاحتمال أن لا يكون قد مرّ في خاطر موسى مثل هذا التصور التفصيلي للذات الإلهية ، لأن الوحي لم يكن قد تنزّل عليه بذلك ، ولم يكن هناك مجال واسع للتأمل والتحليل الفلسفي حول استحالة تجسّد الإله أو إمكانه ، لأن ذلك قد لا يكون مطروحا لدى موسى عليهالسلام. ونحن نعرف تماما معنى التكامل التدريجيّ للتصوّر الإيمانيّ في شخصية الرسول الفكرية.
ولهذا فإننا نحاول ـ هنا ـ أن نسجّل تحفظنا على الكثير من الأحكام المسبقة التي تحاول تطويق النص القرآني ببعض الاستبعادات الذاتية ـ كما في مثل هذه الآية ـ فإننا نلاحظ أن تصوّرنا لشخصية الأنبياء يبدأ من القرآن ، في ما يحدثنا عنهم من أحاديث ويسبغه عليهم من صفات ، فهو المصدر الأساس الأمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
