وتعقيد العلاقات ، وضعف الإدارة ، واهتزاز الإرادة ، وتوجيه الأوضاع في اتجاه الأنانيات والذاتيات والعصبيات ... وغير ذلك من الأمور التي تعزل الإنسان عن الساحة الرحبة الشاملة للحياة ، وتحوّله إلى كائن سلبي يدور حول نفسه أو عصبيته ، بعيدا عن الأجواء الإنسانية العامة.
ولكن كيف يطلب من هارون ذلك؟ ألم يكن شريكا له في المهمّة وفي النبوّة؟ هل هو بحاجة إلى مثل هذه الوصية؟ والجواب : ليس معنى هذا أنّ هارون كان لا يملك معرفة خطّ السير الذي تسير عليه النبوّات ، بل ربما أراد موسى من هذا التوجيه أن يؤكد له الفكرة من خلال الإيحاء له بالمهمة الصعبة التي تنتظره في مجال التطبيق ، في ما يعرفه ـ من خلال التجربة القاسية ـ من ضيق أفقهم ، وطفولتهم الفكرية ، والجدب الروحي الذي يهيمن على واقعهم الداخلي ، وربما أراد من ذلك أن يوحي لقومه بأن خط الإصلاح والبعد عن الفساد ليس أمرا مرهونا بوجوده ، ليكون التزامهم به التزاما من حيث الإخلاص للشخص على أساس ما يمثّله من قوّة لديهم ، بل هو أمر يحكم حياتهم في حال وجوده وغيابه ، لأنه منطلق من رسالة الله التي تفرض على الإنسان أن يراقب ربّه قبل أن يراقب أيّ إنسان آخر.
* * *
موسى يسأل الله تعالى رؤيته
(وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ). ووصل موسى إلى الموعد الذي قطعه له ربّه ، وكلّمه الله في ما يريد أن يوحي به إليه ، واندمج موسى في الجوّ الإلهي ، وشعر بالسعادة تغمر قلبه ، ففاضت روحه بالأشواق الروحية ، في ما توحيه كلمات الله إليه وما تمثّله من معاني القرب
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
