في ما ينطلقون به من تصوّرات وتحليلات للمشاكل التي تحاصرهم ، وللمفاهيم التي تواجههم في آفاق الصراع ، وتنظم لهم خطّ حياتهم ، في ما يتحركون به من مشاريع وأوضاع ووسائل وأهداف وعلاقات؟ هل يبدأ ليفكر ذاتيا في ذلك كله ، لتكون الفكرة فكره الذاتي ، ولتكون الشريعة شريعته الخاصة ، كما هم المصلحون الذين يتحركون من موقع شخصيّ في عملية الإصلاح ، فتكون الرسالة رسالة بشريّة لا إلهية؟
ولكنّ موسى رسول من قبل الله ، وقد أعلن في بداية مواجهته لفرعون صفته الرسالية ، وأنه لا يقول على الله إلا الحق ، وبذلك حدّد المنطلق لمسيرته في الفكر والتخطيط والتشريع. إنه ينتظر وحي الله ، ليرسم المنهج ، وليركّز الخط ويطلق الشريعة ، ليكون برنامجه دين الله وشريعته ، لا دين موسى وشريعته. وهكذا انتظر موسى في المرحلة الجديدة أن ينزل عليه الوحي ، وأن يفصّل الله له الشريعة ، وجاء وعد الله له بذلك ، وحدّد له موعدا معيّنا ، وأخبره أن الكتاب سينزل عليه جملة وتفصيلا ، وأن عليه أن يستوعبه في قلبه قبل أن يكتبه في الألواح ، وأن يفكر فيه ليعرف خصوصيات القضايا من خلال الخطوط العامة ، وأن يتطلّع إلى آفاق الكتاب كيف تحتوي الحياة في رحابها الواسعة ، ليعود إلى قومه حاملا لهم خط النظرية ، وميزان التطبيق. وعاش في هذا الجوّ تجربة فريدة صاعقة هزت كيانه ، وعرّضته لموقف صعب محرج مع الله. وهذا ما نستوحيه من جولتنا في هذه الآيات.
* * *
الله يواعد موسى عليهالسلام أربعين ليلة
(* وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً). فقد أراد الله له أن يأتي إلى موعده معه ، ليغيب عن قومه وعن حركته العادية اليومية معهم أربعين ليلة ، فكيف كانت ثلاثين ، ثم أتمها الله بعشر؟ هل
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
