العمل وروحانيّة العبادة منوطة بحضور القلب والإقبال على الله واجتماع الحواس وتوجّه السرّ والعلن في جميع الأجزاء والشرائط ، وبالطبع الاشتغال بعمل آخر من شأنه أن يمحو هذه الاعتبارات والخصوصيّات ويزيلها إلّا في العبادة التي لا تشغل البال ولا تشتّت الفكر في حال أداء ذلك العمل كما جرى في التصدّق بالخاتم حال الركوع من الوليّ الأعظم أمير المؤمنين سلام الله عليه وعلى من انتسب إليه حيث صار سبباً لنزول الآية : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (١) الآية .
سُئل ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمان الحنبلي البغدادي الواعظ كيف تسنّى للإمام وهو في إقباله التامّ الالتفات إلى السائل حتّى أنفق الزكاة ؟ فتمثّل بالبيتين التاليين لحلّ الإشكال وجواب السؤال وأنشد :
|
يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته |
|
عن النديم ولا يلهو عن الكاس |
|
أطاعه سكره حتّى تمكّن من |
|
فعل الصحاة فهذا أفضل الناس |
ولكنّ دقّة العلماء الحائمين حول الأسرار الدقيقة يعلمون جيّداً أنّ هذا المقام الرفيع لا يحصل لكلّ أحد بل هو من نصيب الأولياء العظام الذين بلغوا في مرحة العبوديّة ومقام الطاعة إلى أن يكونوا مظهراً لصفة « لا يشغله شأن عن شأن » وهذه الخاصيّة المثاليّة من نصيب ذلك الوليّ الأعظم وأتباعه الذين اقتفوا آثار الأئمّة الأطهار واقتبسوا من ضياء تلك الأنوار سعياً بأقدام الصدق والصفاء ، ومن الكلمات القصار لهذا القاصر ـ المؤلّف ـ قوله : « ما كلّ صيد غزالة ، ولا كلّ نجم غزالة » والله وليّ التوفيق .
الفائدة التاسعة :
من مقرّرات علم الأُصول أنّه لو تعذّر الإتيان بالمركّب المشتمل على الأجزاء
_________________
(١) المائدة : ٥٥ .
