ملك ذلك بتمليك الله سبحانه وتعالى إياه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر الله تعالى به من البلايا والمصائب ، وما ينفع به من الصحة والسعة وإنما قال ما نظرا إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأسا ، وتنبيها على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية ، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع. (وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ)(٧٧)
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِ) أي غلوا باطلا فترفعوا عيسى عليه الصلاة والسلام إلى أن تدعوا له الألوهية ، أو تضعوه فتزعموا أنه لغير رشدة. وقيل الخطاب للنصارى خاصة. (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد صلىاللهعليهوسلم في شريعتهم. (وَأَضَلُّوا كَثِيراً) ممن شايعهم على بدعهم وضلالهم. (وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) عن قصد السبيل الذي هو الإسلام بعد مبعثه صلىاللهعليهوسلم لما كذبوه وبغوا عليه ، وقيل الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع.
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ)(٧٩)
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أي لعنهم الله في الزبور والإنجيل على لسانهما. وقيل إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت لعنهم الله تعالى على لسان داود فمسخهم الله تعالى قردة ، وأصحاب المائدة لما كفروا دعا عليهم عيسى عليهمالسلام ولعنهم فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل. (ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) أي ذلك اللعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم.
(كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) أي لا ينهى بعضهم بعضا عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن مثل منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له ، أو لا ينتهون عنه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع. (لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم.
(تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(٨١)
(تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ) من أهل الكتاب. (يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يوالون المشركين بغضا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين. (لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أي لبئس شيئا قدموه ليردوا عليه يوم القيامة (أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ) هو المخصوص بالذم ، والمعنى موجب سخط الله والخلود في العذاب ، أو علة الذم والمخصوص محذوف أي لبئس شيئا ذلك لأنه كسبهم السخط والخلود.
(وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِ) يعني نبيهم وإن كانت الآية في المنافقين فالمراد نبينا عليهالسلام. (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ) إذ الإيمان يمنع ذلك. (وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ) خارجون عن دينهم أو متمردون في نفاقهم.
![أنوار التنزيل وأسرار التأويل [ ج ٢ ] أنوار التنزيل وأسرار التأويل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3168_anwar-altanzil-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
