قلنا لأصحابنا (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها)(١) ، ثم أرخي شراعها ، ورفعت مرساها ، وسارت بنا في ذلك [٦٠ أ] البحر العباب ، تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب ، وتمثّلت بما قال بعض أهل الآداب (٢) : [من الوافر]
|
تأمّل حالنا والجوّ طلق |
|
محياه وقد طفل المساء |
|
وقد جالت بنا عذراء حبلى |
|
يجاذب مرطها ريح رخاء |
|
ببحر كالسّجنجل في صفاء |
|
تعاين وجهها فيه السماء (٣) |
ولم نزل نسير ونحن جلوس ، وهي تتبختر بنا تبختر العروس ، وتجول بنا خلال ذلك البحر وتجوس ، تارة بإبطاء وطورا بإسراع ، وحينا بمجاديف وآونة بأشراع ، وذلك البحر قد راق نعتا ، ورق وصفا ، والأمواج به تعطف صفا وتنقصف قصفا ، وتأتي خاضعة إلى البرّ فتقبّل منه كفا ، وتتيه آونة فتنعطف عنه عطفا ، وتثنى عن الإمام به عطفا ، وتستحي تارة فتبدي له تملقا ولطفا ، إلى أن أرسينا بمرسى قسطنطينيّة العظمى ، ذات المحل الأسمى والحمى الأحمى ، فتلقّانا الأمين سنان جلبي (٤) أمين الصقالة ، وعظّمنا [٦٠ ب] وأجلّنا (٥) غاية العظمة والجلالة ، وأحلّنا منزلته وحلاله (٦) ، وكان مولانا السيّد أسبغ الله ظلاله ، وختم بالصّالحات أعماله ، قد أرسل
__________________
(١) سورة هود آية ٤١.
(٢) وردت في (ع): «الأدب».
(٣) الأبيات في رفع الحجب المستورة ١ : ١٣٥ منسوبة لابن سارة الإشبيلي.
(٤) چلبي : لقب تعظيم بمعنى سيد كان شائعا بين العثمانيين ، انظر : البرق اليماني (المقدمة) ٧٦ ، لطف السمر ١ : ٢٥.
(٥) سقطت هذه الكلمة من (ع).
(٦) وردت في (ع): «وجلاله».
