يعزم على مفارقة حلمه جملة أبدا ، ولكن إذا كان مريدا لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم ؛ عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إيّاه ، فإن الودائع تستعاد. قيل : ومنه قول الآخر يهنىء بعض الوزراء لما استوزر : [عبيد الله بن عبد الله]
|
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا |
|
وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم (١) |
|
فقلت له : نعماك فيهم أتمّها |
|
ودع أمرنا ؛ إن المهمّ المقدّم |
فإنه أدمج شكوى الزمان وما هو عليه من اختلال الأحوال في التهنئة.
وفيه نظر ؛ لأن شكوى الزمان مصرّح بها في صدره ، فكيف تكون مدمجة؟! ولو عكس فجعل التهنئة مدمجة في الشكوى أصاب.
ومنه التوجيه ، وهو : إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين ، كقول من قال لأعور يسمّى عمرا : [بشار بن برد]
|
خاط لي عمرو قباء |
|
ليت عينيه سواء (٢) |
وعليه قوله تعالى : (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا) [النساء : الآية ٤٦]. قال الزمخشري : «غير مسمع» حال من المخاطب ، أي اسمع وأنت غير مسمع ، وهو قول ذو وجهين.
يحتمل الذم ، أي : اسمع منا مدعوّا عليك بـ «لا سمعت» لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع. فكان أصمّ غير مسمع ، قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم : «لا سمعت» دعوة مستجابة.
أو اسمع غير مجاب ما تدعو إليه ، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك لم تسمع شيئا.
أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، فسمعك عنه ناب.
ويجوز على هذا أن يكون «غير مسمع» مفعول «اسمع» أي : اسمع كلاما غير مسمع إياك ؛ لأن أذنك لا تعيه نبوّا عنه.
ويحتمل المدح ، أي : اسمع غير مسمع مكروها من قولك : «أسمع فلان فلانا» إذا سبّه.
__________________
(١) البيتان لعبد الله بن طاهر في العمدة ١ / ٤١ ، والطراز ٣ / ١٥٧ ، ١٥٨ ، وعقود الجمان ٢ / ١٢٨.
(٢) البيت من مجزوء الرمل ، وهو لبشار بن برد في ديوانه ص ١٢.
