|
نهبت من الأعمار ما لو حويته |
|
لهنّئت الدنيا بأنك خالد (١) |
فإنه مدحه ببلوغه النهاية في الشجاعة إذ كثر قتلاه ، بحيث لو ورث أعمارهم لخلد في الدنيا ، على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها ؛ حيث جعل الدنيا مهنّأة بخلوده.
قال علي بن عيسى الربعيّ : وفيه وجهان آخران من المدح ، أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال ، والثاني أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه ؛ لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها فهم مسرورون ببقائه.
ومنه الإدماج ، وهو أن يضمّن كلام سيق لمعنى معنى آخر ، فهو أعمّ من الاستتباع ، ومثاله قول أبي الطيب :
|
أقلب فيه أجفاني ، كأني |
|
أعدّ بها على الدهر الذّنوبا (٢) |
فإنه ضمّن وصف الليل بالطول الشّكاية من الدهر.
وقول ابن المعتز في الخيريّ :
|
قد نفض العاشقون ما صنع |
|
الهجر بألوانهم على ورقه (٣) |
فإن الغرض وصف الخيري بالصفرة ، فأدمج الغزل في الوصف.
وفيه وجه آخر من الحسن ، وهو إيهام الجمع بين متنافيين ، أعني الإيجاز والإطناب ، أما الإيجاز فمن جهة الإدماج ، وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه ؛ فاللفظ زائد عليه لفائدة.
ومنه قول ابن نباتة :
|
ولا بدّ لي من جهلة في وصاله |
|
فمن لي بخلّ أودع الحلم عنده؟! (٤) |
فإنه ضمّن الغزل الفخر بكونه حليما ، المكنى عنه بالاستفهام عن وجود خل صالح لأن يودعه حلمه ، وضمّن الفخر بذلك ـ بإخراج الاستفهام مخرج الإنكار ـ شكوى الزمان لتغيّر الإخوان ، حتى لم يبق فيهم من يصلح لهذا الشأن ، ونبه بذلك على أنه لم
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي ٢ / ٧٢.
(٢) البيت من الوافر ، وهو في ديوان المتنبي ١ / ٢٣٩.
(٣) البيت من المنسرح ، وهو لابن المعتز في الإشارات والتنبيهات ص ٢٥٨.
(٤) البيت من الطويل ، وهو في ديوان ابن نباتة (عبد العزيز بن عمر) ١ / ٣٣٨.
