وأما قوله تعالى : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) (٢٦) [الواقعة : الآيتان ٢٥ ، ٢٦] فيحتمل الوجهين.
وأما قوله تعالى : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً) [مريم : الآية ٦٢] فيحتملها ، ويحتمل وجها ثالثا ، وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا ، لأن معنى السّلام هو الدعاء بالسلامة ، وأهل الجنة عن الدعاء بالسلامة أغنياء ، فكان ظاهره من قبيل اللغو وفضول الكلام ، لو لا ما فيه من فائدة الإكرام.
ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم ضرب ثالث ، وهو : أن يأتي الاستثناء فيه مفرّغا ، كقوله تعالى : (وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا) [الأعراف : الآية ١٢٦] أي وما تعيب منا إلا أصل المناقب والمفاخر كلها ، وهو الإيمان بآيات الله.
ونحوه قوله : (يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) [المائدة : الآية ٥٩] فإن الاستفهام فيه للإنكار.
واعلم أن الاستدراك في هذا الباب يجري مجرى الاستثناء ، كما في قول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني
|
هو البدر ، إلا أنه البحر زاخر |
|
سوى أنه الضّرغام ، لكنّه الوبل (١) |
ومنه تأكيد الذم بما يشبه المدح ، وهو ضربان :
أحدهما : أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها ، وكقولك : فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من يحسن إليه.
وثانيهما : أن يثبت للشيء صفة ذم ، ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له ، كقولك : فلان فاسق إلا أنه جاهل.
وتحقيق القول فيهما على قياس ما تقدم.
ومنه الاستتباع ، وهو : المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر ، كقول أبي الطيب :
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو لبديع الزمان الهمذاني في نهاية الإيجاز ص ٢٩٣.
