أفضلهما أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها ، كقول النابغة الذبياني
|
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم |
|
بهنّ فلول من قراع الكتائب (١) |
أي إن كان فلول السيف من قراع الكتائب من قبيل العيب ، فأثبت شيئا من العيب ، على تقدير أن فلول السيف منه ، وذلك محال ؛ فهو في المعنى تعليق بالمحال ؛ كقولهم : «حتى يبيضّ القار».
فالتأكيد فيه من وجهين :
أحدهما : أنه كدعوى الشيء ببيّنة.
والثاني : أن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا ، فإذا نطق المتكلم بإلا أو نحوها توهّم السامع قبل أن ينطق بما بعدها أنّ ما يأتي بعدها مخرج مما قبلها ، فيكون شيء من صفة الذم ثابتا ، وهو ذمّ ، فإذا أتت بعدها صفة مدح تأكد المدح ، لكونه مدحا على مدح وإن كان فيه نوع من الخلابة.
والثاني : أن يثبت لشيء صفة مدح ، ويعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له ، كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم : «أنا أفصح العرب ، بيد أنّي من قريش» (٢).
وأصل الاستثناء في هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا ، لكنه باق على حاله لم يقدر متصلا ، فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين ، ولهذا قلنا : الأول أفضل. ومنه قول النابغة الجعدي :
|
فتى كملت أخلاقه ، غير أنه |
|
جواد ؛ فما يبقي من المال باقيا (٣) |
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص ٤٤ ، والأزهية ص ١٨٠ ، وإصلاح المنطق ص ٢٤ ، وخزانة الأدب ٣ / ٣٢٧ ، والدرر ٣ / ١٧٣ ، وشرح شواهد المغني ص ٣٤٩ ، والكتاب ٢ / ٣٢٦ ، ومعاهد التنصيص ٣ / ١٠٧ ، وهمع الهوامع ١ / ٢٣٢ ، وبلا نسبة في الصاحبي في فقه اللغة ص ٢٦٧ ، ولسان العرب (قرع) ، (فلل) ، ومغني اللبيب ص ١١٤.
(٢) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء ١ / ٢٣٢ ، ٢ / ٨٥٠ ، والقاضي عياض في الشفاء ١ / ١٧٨ ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار ٢ / ٣٦٤ ، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة ١١٧.
(٣) البيت من الطويل ، وهو في ديوان النابغة الجعدي ص ١٧٣ ، والأزهية ص ١٨١ ، وأمالي المرتضى ١ / ٢٦٨ ، وخزانة الأدب ٣ / ٣٣٤ ، والدرر ٣ / ١٨٢ ، وديوان المعاني ١ / ٣٦ ، وشرح أبيات سيبويه ٢ / ١٦٢ ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٠٦٢ ، وشرح شواهد المغني ٢ / ٦١٤ ، والشعر والشعراء ١ / ٢٩٩ ، والكتاب ٢ / ٣٢٧ ، ولسان العرب (وحح).
