|
لا يذوق الإغفاء إلّا رجاء |
|
أن يرى طيف مستميح رواحا |
وكأن تقييده بالرّواح ليشير إلى أن العفاة إنما يحضرون له في صدر النهار على عادة الملوك ، فإذا كان الرواح قلّوا ، فهو يشتاق إليهم ، فينام ليأنس برؤية طيفهم ، وأصله من نحو قول الآخر : [قيس بن الملوح]
|
وإني لأستغفي ، وما بي نعسة |
|
لعلّ خيالا منك يلقى خياليا (١) |
وهذا غير بعيد أن يكون أيضا من هذا الضرب ، إلا أنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة ذلك المبلغ ؛ فإنه قد يتصوّر أن يريد المغرم المتيّم إذا بعد عهده بحبيبه أن يراه في المنام ؛ فيريد النوم لذلك خاصة.
ومن لطيف هذا الضرب قول ابن المعتز :
|
قالوا : اشتكت عينه ، فقلت لهم : |
|
من كثرة القتل نالها الوصب (٢) |
|
حمرتها من دماء من قتلت |
|
والدم في النّصل شاهد عجب |
وقول الآخر : [عبد الله بن المعتز]
|
أتتني تؤنّبني بالبكا |
|
فأهلا بها وبتأنيبها (٣) |
|
تقول ـ وفي قولها حشمة ـ |
|
أتبكي بعين تراني بها؟! |
|
فقلت : إذا استحسنت غيركم |
|
أمرت الدموع بتأديبها |
وذلك أن العادة في دمع العين أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب ، أو اعتراض الرقيب ، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب ، لا ما جعله من التأديب على الإساءة باستحسان غير الحبيب.
وأما الثالث فكقول مسلم بن الوليد :
|
يا واشيا حسنت فينا إساءته |
|
نجّى حذارك إنساني من الغرق (٤) |
فإن استحسان إساءة الواشي ممكن ، لكن لما خالف الناس فيه عقبه بذكر سببه ،
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المجنون ص ٢١٠ (طبعة دار الكتاب العربي).
(٢) البيتان من المنسرح ، وهما لابن المعتز في الإشارات والتنبيهات ص ٢٥٩.
(٣) الأبيات من المتقارب ، وهي بلا نسبة في أسرار البلاغة ص ٣٤٢.
(٤) البيت من البسيط ، وهو في ذيل ديوان مسلم بن الوليد ص ٣٢٨ ، والشعر والشعراء ٢ / ٨١٥ ، وطبقات الشعراء ص ١١١.
