العود المسقيّ أوان غرسه مونقا بأوراقه ونضرته ، لسقيه المصادف وقته ، من تمام الميل وكمال الاستحسان ، بعد خلاف ذلك.
ومنها قوله تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ) (١٧) [البقرة : الآية ١٧] فإن تشبيه حال المنافقين بحال الموصوف بصلة الموصول في الآية ؛ في أمر حقيقي منتزع من متعدد ، وهو الطمع في حصول مطلوب ؛ لمباشرة أسبابه القريبة ، مع تعقّب الحرمان والخيبة ؛ لانقلاب الأسباب.
وغير التمثيل : ما كان بخلاف ذلك ، كما سبق في الأمثلة المذكورة.
والمجمل : ما لم يذكر وجهه.
فمنه ما هو ظاهر يفهمه كلّ أحد ، حتى العامّة ، كقولنا : «زيد أسد» إذ لا يخفى على أحد أن المراد به التشبيه في الشجاعة دون غيرها.
ومنه ما هو خفيّ لا يدركه إلا من له ذهن يرتفع به عن طبقة العامة ، كقول من وصف بني المهلب للحجاج ، لما سأله عنهم : وأن أيّهم أنجد؟ «كانوا كالحلقة المفرغة ، لا يدرى أين طرفاها» أي : لتناسب أصولهم وفروعهم في الشرف يمتنع تعيين بعضهم فاضلا وبعضهم أفضل منه ، كما أن الحلقة المفرغة لتناسب أجزائها يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا.
وهكذا نسبه الشيخ عبد القاهر إلى من وصف بني المهلب ، ونسبه الشيخ جار الله (١) العلّامة إلى الأنمارية ، قيل : هي فاطمة بنت الخرشب ، سئلت عن بنيها : أيّهم أفضل؟ فقالت : عمارة. لا ، بل فلان ، لا ، بل فلان ، ثم قالت : ثكلتهم إن كنت أعلم أيّهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة ، لا يدرى أين طرفاها.
وأيضا منه ما لم يذكر فيه وصف المشبّه ، ولا وصف المشبّه به ، كالمثال الأول.
ومنه ما ذكر فيه وصف المشبّه به وحده ، كالمثال الثاني ، ونحوه قول زياد الأعجم :
|
وإنّا وما تلقي لنا إن هجوتنا |
|
لكالبحر ، مهما تلق في البحر يغرق (٢) |
وكذا قول النابغة الذبياني :
__________________
(١) الشيخ جار الله : هو الزمخشري ، تقدمت ترجمته.
(٢) البيت من الوافر ، وهو في الإشارات والتنبيهات ص ١٧٤.
