هذا المورد كان لها نوع من السرور عجيب ـ فكانت كالنعمة التي لا تكدّرها المنّة ، وكالغنيمة من حيث لا تحتسب ، وفي قوله : «حين يمتدح» فائدة شريفة ، وهي الدلالة على اتّصاف الممدوح ـ على ما احتشد له من تزيينه ، وقصده من تفخيم شأنه في عيون الناس ـ بالإصغاء إليه ، والارتياح له ، والدلالة بالبشر وإطلاقه على حسن موقعه عنده.
ومنه قوله تعالى حكاية عن مستحلّي الربا : (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) [البقرة : الآية ٢٧٥] فإن مقتضى الظاهر أن يقال : إنما الربا مثل البيع ؛ إذ الكلام في الربا لا في البيع ، فخالفوا لجعلهم الربا في الحلّ حالا من البيع وأعرف به.
ومنه قوله عز وجل : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) [النّحل : الآية ١٧]؟! فإن مقتضى الظاهر العكس ، لأن الخطاب للذين عبدوا الأوثان ، وسمّوها آلهة ؛ تشبيها بالله سبحانه وتعالى. فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق. فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتها ، وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة والخالق سبحانه فرعا فجاء الإنكار على وفق ذلك.
وقال السكاكي : عندي أن المراد بمن لا يخلق : الحيّ العالم القادر من الخلق ؛ تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام بالله عز وجل ، وقوله : (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (١٥٥) [الصّافات : الآية ١٥٥] تنبيه توبيخ عليه. ونحوه قوله تعالى : (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) [الفرقان : الآية ٤٣] بدل : أرأيت من اتخذ هواه إلهه؟!
وقد يكون الغرض العائد إلى المشبه به : بيان الاهتمام به ، كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف ؛ إظهارا للاهتمام بشأن الرغيف لا غير ، وهذا يسمى إظهار المطلوب.
قال السكاكي : ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في تسنّي المطلوب كما يحكى عن الصاحب : أن قاضي سجستان دخل عليه ، فوجده الصاحب متفنّنا ، فأخذ يمدحه ، حتى قال :
وعالم يعرف بالسّجري
وأشار للندماء أن ينظموا على أسلوبه ، ففعلوا واحدا بعد واحد ، إلى أن انتهت النّوبة إلى شريف في البيت ، فقال :
أشهى إلى النّفس من الخبز
فأمر الصاحب أن تقدّم له مائدة.
هذا كله إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة أو ادّعاء بالزائد. فإن أريد
