مجرّد الجمع بين شيئين في أمر ؛ فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه ؛ ليكون كل واحد من الطرفين مشبها ومشبها به ؛ احترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر. كقول أبي إسحاق الصابىء : [إبراهيم بن هلال الحراني](١)
|
تشابه دمعي ـ إذ جرى ـ ومدامتي |
|
فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب (٢) |
|
فو الله ما أدري : أبالخمر أسبلت |
|
جفوني ، أم من غبرتي كنت أشرب؟ |
وكقول الآخر : [الصاحب بن عباد]
|
رقّ الزّجاج ، وراقت الخمر |
|
وتشابها ، فتشاكل الأمر (٣) |
|
فكأنما خمر ولا قدح |
|
وكأنّما قدح ولا خمر |
ويجوز التشبيه أيضا ، كتشبيه غرّة الفرس بالصبح ، وتشبيه الصبح بغرّة الفرس ، متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه ، وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة ، أو الدينار الخارج من السّكّة ، كما قال : [عبد الله بن المعتز]
|
وكأنّ الشمس المنيرة دينا |
|
ر جلته حدائد الضّرّاب (٤) |
وتشبيه المرآة المجلوّة أو الدينار الخارج من السكة بالشمس. فمن أريد استدارة متلألىء متضمّن لخصوص في اللون ، وإن عظم التفاوت بين بياض الصبح وبياض الغرة ، و (بين) نور الشمس ونور المرآة والدينار ، وبين الجرمين ، فإنه ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه. وعلى هذا ورد تشبيه الصبح في الظلام بعلم أبيض على ديباج أسود في قول ابن المعتز :
|
والليل كالحلّة السّوداء ، لاح به |
|
من الصباح طراز غير مرقوم (٥) |
فإنه تشبيه حسن مقبول ، وإن كان التفاوت في المقدار بين الصبح الطّراز ـ في الامتداد والانبساط ـ شديدا.
__________________
(١) أبو إسحاق الصابىء : هو إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حبون الحراني البغدادي الكاتب ، من الصائبة ، توفي سنة ٣٨٤ ه. له من المصنفات : أخبار النحاة ، أخبار الوزراء ، أخبار أهله وولد ابنه ، التاجي في أخبار الدولة الديلمية ، ديوان الرسائل ، ديوان شعره. (كشف الظنون ٥ / ٧).
(٢) البيتان في يتيمة الدهر للثعالبي ٢ / ١٨.
(٣) البيتان في ديوان الصاحب بن عباد ص ١٧٦.
(٤) البيت من الخفيف ، وهو في أسرار البلاغة ص ١٩٣ ، وزهر الآداب ١ / ٣٤٢.
(٥) البيت من البسيط ، وهو في أسرار البلاغة ص ١٩٣.
