وبعبارة اخرى : المستأجر إن كان جاهلا فهو مغرور بالنسبة إلى الزائد من المسمّى عن اجرة المثل ، كما يرجع المشتري المغرور المغترم للقيمة للمالك على البائع الفضولي بالزائد منها عن الثمن ، وإن كان عالما فالمؤجر العالم قد أقدم على عدم الضمان بالنسبة إلى الزائد.
وفيه ؛ أنّ علمه بذلك يشبه بالوعد لبذل الزائد من اجرة المثل عن المسمّاة ، وليس الغرور هنا متصوّر لاستناده إلى جهله لا إلى المؤجر ، كذا قيل (١).
ولكن التحقيق أن يقال : إنّ العالم بالفساد في المعاملة مقدم على أن يكون المال مضمونا على الآخر ، وكذا الآخر مقدم على ذلك قاصدا ، جاهلا كان أو عالما ، وتواطئا على أن يكون المضمون والمتدارك به هو المسمّى ، فقد أقدما على الضمان فإن أمضى الشارع ما تواطئا عليه من المضمون به فهو ، وإلّا رجع إلى المضمون به العامّ الثابت في موارد الضمانات.
وأمّا مسألة الغرور ؛ فقد حرّرنا في تضاعيف كلماتنا مرارا أنّ هذه القاعدة مجعولة من الشارع ، لتدارك الحكم الضرري الناشئ منه مع كون الغارّ سببا لتضرّره بحيث يستند الفعل إليه ، مع كون المباشر غيره ، سواء علم الغارّ أو لم يعلم ، فلو فرض كون السبب هو الجهل مع عدم العذر من الشارع فلا معنى لرجوع المغرور على الغارّ ، مثلا إذا جعل اليد حجّة في سماع قول ذيها فالمشتري الجاهل إذا اشترى من ذي اليد شيئا وتبيّن فساده باستحقاقه للغير ، أو بإخباره بأنّه خلّ ـ مثلا ـ فبان خمرا ، فالجاهل المغرور يرجع على البائع بغروره ، سواء كان عالما أو جاهلا ، إذ لا مدخليّة للعلم والجهل في سببيّة الضمان.
__________________
(١) جواهر الكلام : ٢٧ / ٣٠٥.
