وأمّا ما يجري هنا ولا يجري هناك ، فهو أن نقول بالصحّة هنا ؛ لأنّ المصلّي لم يقع منه إلّا نسيان السلام ، وهو جزء غير ركن فلا تبطل الصلاة بنسيانه ، بخلاف المسألة السابقة ؛ لما ذكرنا من أنّ الموجب للبطلان فيها هو أنّ المصلّي إذا سلّم بعد رفع الرأس من السجود فقد خرج من الصلاة عرفاً ، فيكون قد صلّى صلاة ناقصة من ركعة أو ركعتين ، فتكون صلاته باطلة. ثم إنّ صاحب ( المسالك ) رحمهالله قال في المقام : ( إنّ مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة ؛ لأنّ السلام جزء غير ركن ، فلا تبطل الصلاة بالسهو عنه ) فيكون الحدث واقعاً في خارج الصلاة. ثم قال : ( إلّا أن يقال : إنّ الخروج عن الصلاة لا يتحقّق إلّا بالسلام ، وهو في حَيّز المنع ) (١).
ويمكن توجيهه بأنّ مقتضى : « لا تعاد » ونحوها ، أنّ ما أُخذ في ماهيّة الصلاة والأجزاء والشرائط ؛ منه ما هو معتبر فيها ذكراً وسهواً وهي الأركان وما بحكمها من الشرائط ، ومنه ما هو معتبر ذكراً فقط وهو ما عدا ذلك. ومقتضاه أنّ صلاة الناسي غير صلاة الذاكر ، وأنّ صلاة الذاكر عبارة عن جميع ما دلّت الأدلّة على اعتباره في الصلاة ، وأنّ صلاة الناسي عبارة عن خصوص الأركان وما في حكمها. ونظيره ما ذكره البعض في توجيه معذوريّة الجاهل بالجهر والإخفات والقصر والإتمام ، من تنويع المكلّف به على حسب حالات المكلّف ، ولا نعني أنّ الناسي كلّف بهذا الفرد الناقص وخوطب به كما يخاطب الذاكر بالتام ؛ إذ يقبح أنْ يقال : أيّها الناسي افعل كذا ، كما يقبح أن يقال : أيّها الجاهل افعل كذا ؛ لعدم قابليّته لتوجيه الخطاب ، فيكون تكليفه بذلك تكليفاً بما لا يطاق.
بل نقول : إنّ الشارع أراد منه القدر المشترك بين التامّ والناقص ، وطلب منه قصد التقرّب به وإنْ قصد هو إيجاده في ضمن التامّ تعويلاً على ظاهر حاله ، من أنّه عدم نسيان ما اعتبر من الأجزاء والشرائط ، إلّا إنّ الشارع لمّا علِم من حاله عدم حصول ذلك وأنّه سينسى ، ألغى عنه قصد الخصوصيّة بالفرد الناقص ونيّة القدر المشترك
__________________
(١) مسالك الأفهام ١ : ٢٨٨.
![الرسائل الأحمديّة [ ج ٢ ] الرسائل الأحمديّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1332_alrasael-alahmadiia-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
