بضاعة عظيمة في العلوم الدقيقة ولم يكن متفطّنا بما ورد في الأصوليين من أصحاب العصمة يوقع نفسه في الهلكة وكلّ ميسّر لما خلق له ، وبالله التوفيق وبيده أزمّة التحقيق.
فأقول أوّلا : كان قصد المستدلّ أنّ التمسّك بخبر الواحد لا بدّ له من الاستدلال على جميع مقدّماته ، ومن المعلوم : أنّ الّذي ثبت جواز التمسّك به هو ما يفيد العلم أو ما يقوم مقامه في الشريعة ، فقصده من مفيد العلم مفيد القطع حقيقة أو حكما ، ومن المعلوم : أنّ شهادة العدلين في الشريعة جعلت مكان القطع في بعض الصور بخلاف شهادة الواحد ، وحينئذ يندفع البحث الأوّل دون الثاني *.
______________________________________________________
* أوّلا : إنّ ما ذكره في معرض المدح لنفسه ومعرّضا به للاستخفاف بغيره عين الجهل وقلّة الإنصاف! وأين رتبته في العلوم من رتبة من عرّض به واستخفّ ، بل بعده عنهم في الهوان كما قال عن بعد كلامهم عن الحقّ (١) وهل عاقل يمدح نفسه بهذه المبالغة ولو كانت حقّا؟ والله سبحانه يقول : ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) وما رأينا هذه البضاعة العظيمة الّتي ادّعاها أثّرت على صاحبها إلّا الجهل والحماقة وتعريض نفسه للكلام عليه ، هذا مع خطر الآخرة.
وأمّا ثانيا : فإنّه بعد ما تقرّر أنّ المراد بالعلم بالعدالة في قبول الرواية ليس العلم القطعيّ بل الشرعيّ ، وعلى كلّ حال الوجه الّذي يعتمد عليه الخصم في قبول رواية العدل وحده يلزمه أن يعتمد عليه في قبول قول المزكّي وحده ، فالتفرقة بينهما غير معقولة. وليس البحث في هذه المسألة مع المصنّف ، لأنّه لا يجوّز العمل بخبر الواحد المفيد للظنّ حتّى يلزمه ما ألزم الخصم به الشيخ بهاء الدين محمّد رحمهالله في احتجاجه ، ولكنّ المصنّف أدخل نفسه في ذلك فضولا وخبط في البحث خبط عشواء ، وإلّا فأين الجواب عن كلام الشيخ بهاء الدين وما عدّده من النظائر للتزكية من أنّها خبر وليست شهادة ، وأنّها لو كانت شهادة فما المانع من قبولها والتعويل عليها بانفرادها؟ كما ذكر لها من النظير حتّى شهادة المرأة وحدها. والمصنّف لا يرى له وجها عند ضيقه بالحجّة إلّا دعوى القرائن وتواتر الأخبار وأمثال ذلك من الهذيانات الباردة! وأسهل شيء عليه دعوى تواتر الأخبار فيما يريده ويدّعيه. وقد أطال الكلام في هذا المقام بغير طائل في أنّ رواة حديثنا لم يفتروا ولم يكذبوا ولم يسهوا ، ويعلم ذلك بالقرائن المفيدة للقطع بنفي جميع الاحتمالات الموجبة للخلل في نقل الحديث. ونحن نعلم بالوجدان في هذا الزمان وكذلك جميع الأزمان
__________________
(١) كذا ، لم نفهم المقصود من العبارة ، ولعلّها مصحّفة.
