توضيح ذلك : أنّ الإجماع ليس حجّة عندنا كما حقّقناه سابقا ، ولو فرضنا أنّه حجّة فلا بدّ من نقله بطريق قطعي كما في نقل الحديث.
ومن المعلوم توفّر القرائن الحالية المفيدة لقطع القاضي بأنّ تفسير المترجم موافق للواقع ، فلا بدّ فيه من قطع القاضي ، وقد حقّقنا أنّ الاجتهاد والتقليد حرامان. وضرر الصوم بالمريض من الصور الّتي يتعذّر فيها تحصيل القطع فاكتفى فيه بالظنّ ،
______________________________________________________
والثاني : أنّ الشارع اعتبر في الشهادة ما لم يعتبروه في الرواية ، فدلّ على أنّ الحال فيها أضيق من الرواية لعدم اتّساع الحاجة إليها ، فلا ضرورة في ضيق حالها بحسب الحكمة. بخلاف الرواية ، لكثرة الاحتياج إلى معرفة أحكام التكليف ، فلو اعتبر فيها العلم واليقين في كلّ حكم لزم غاية الحرج والضرر وتعطيل الأحكام ، فكانت السعة فيها أوفق بالحكمة ، لقول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : « جئتكم بالشريعة السهلة السمحة » (١) ولثبوت الاكتفاء بالظنّ في الشرع في جميع ما عدّده المحقّق الشيخ بهاء الدين محمّد رحمهالله.
والثالث : مقتضى كلامه الفرق بين أحكام الله وبين الأحكام الّتي اكتفي فيها بالظنّ ، والحال إنّا قدّمنا أنّ الجميع أحكام الله تعالى ، لأنّ الظنّ المعوّل عليه فيها ليس خارجا عمّا أمر الله به.
والرابع : أنّه لا نزاع أنّ كلّ مسألة يمكن تحصيل العلم فيها لا يجوز التعويل على الظنّ. والعجب! أنّ المصنّف ذكر في توجيه التعويل على الظنّ في باب ما جعله من غير أحكام الله بأنّه لو لا اعتبار الظنّ للزم الحرج البيّن الواضح ، بل التكليف بما لا يطاق ، فكيف غفل عن مثله فيما يدّعيه أنّه مخصوص بأحكام الله؟ فإنّ دعوى ظهور جميع أحكام الله لعلم المكلّف مكابرة صرفة والوجدان واضح فيها. والتزام الوقف فيما لم يعلم تعطيل لغالب الأحكام وسدّ لباب العمل بالشريعة ، ومخالفة ذلك للعقل والحكمة لا يخفى على أحد ؛ وهو مع ذلك مخالف لما صرّح به مرارا : من أنّ الشريعة جاءت وافية بالقطع والجزم في كلّ ما يحتاج إليه المكلّف من الأحكام ، ولا يحتاج فيها إلى زيادة ظنّ المجتهد ولا هي ناقصة حتّى يتمّمها.
واللازم على المصنّف فيما يدّعيه وينسبه إلى الأئمّة عليهمالسلام أن ينسب خطأه إليهم وهم منزّهون عنه. وما كفاه نسبة الخطأ إلى جلّة العلماء حتّى اجترأ به على الأئمّة عليهمالسلام وينسب كلّ ما تصوّره وهمه الفاسد إلى أنّه بإلهامهم وإمدادهم! ومع ذلك يتمدّح به بأنّه من توفيق الله.
__________________
(١) البحار ٢٢ : ٢٩٤ ، وفيه : بعثني بالحنيفيّة السهلة السمحة.
