فقرهم كأنّما سوّدت وجوهم بالعظلم ، وعاودني مؤكّداً وكرر عليّ مردداً فأصغيت إليه سمعي فظنّ أنّي أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقي ، فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى.
وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها كأنّما عجنت بريق حيّة أو قيئها ، فقلت : أصلة أم صدقة أم زكاة فذلك محرّم علينا أهل البيت ؟ فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية ، فقلت : هبلتك الهبول ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني أم متخبط أم ذو جنّة أم تهجر ؟! والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته ، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذّة لا تبقى ، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين) (١).
وقد رويت هذه الرواية بطريقة أخرى ، نقلاً عن عقيل قوله : « ... أصابتني مخمصة شديدة فسألته فلم تند صفاته فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهران عليهم ، فقال : أئتني عشية لأدفع لك شيئاً ، فجئته يقودني أحد ولدي ـ دلالة على أنّه أعمى ـ فأمره بالتنحي ، ثمّ قال : ألا فدونك ، فأهويت
_______________________
(١) الإمام عليّ عليهالسلام : خطب نهج البلاغة ٢ / ٢١٧ ، الشريف المرتضى : رسائل ٣ / ١٣٩ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٤٥ ، الديلمي : إرشاد القلوب ٢ / ٢١٦ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٢ / ٩٧.
وقد أخذت هذه الرواية ونسج على منوالها أشياء كثيرة ومعظمها مطعون فيه ، ينظر مبحث ذهابه إلى معاوية.
