المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٢

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٢

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ١٥٤
  نسخة غير مصححة

المحيطة بنا. كان هذا نفيا لوجوده ، وحكما بكونه عدما محضا وسلبا صرفا. ولذلك فإنا إذا قلنا : إن فلانا لم يوجد في الدار ولم يوجد خارج الدار : كان هذا نفيا لوجوده ، وإذا كان لا طريق إلى تقرير النفي المحض والسلب الصرف إلا هذا ، ثبت أنا لو نفينا كونه تعالى على أحد هذه الوجوه فإنه يلزم منه [نفي (١)] وجوده.

فهذه جملة كلمات الخصوم في تقرير أن هذه المقدمة بديهية.

واعلم أنه إن كان المقصود من هذه الكلمات : ادعاء أن إثبات موجود لا في داخل العالم ولا في خارج العالم قول معلوم الفساد بالضرورة والبديهة. فنحن قد بينا بالوجوه العشرة الكاملة أن ادعاء البديهة هاهنا فاسد باطل. وإن كان المقصود منها ذكر الدليل على وجوب (٢) كون الله تعالى في الجهة. فنقول : هذا باطل لأن بتقدير أن يكون الحق هو أن الله تعالى غير مختص بالحيز والجهة أصلا. فهل يصح على هذا التقدير أن يقال : إنه تعالى خلق العالم في ذاته أو خارج ذاته؟ لا أظن أن العاقل يحكم بصحة هذا التقسيم على تقدير سبق الاعتقاد بأنه مختص بالحيز والجهة أصلا. لأن على هذا التقدير يكون الحق هو أنه تعالى خلق العالم لا في ذاته ولا مباينا عن ذاته بالحيز والجهة. فيثبت : أن قوله : إنه تعالى خلق العالم في ذاته أو خارج ذاته ، إنما يظهر كونه حقا بتقدير أن يثبت أنه يجب كونه تعالى مختصا بالحيز والجهة. فلو أثبتنا صحة هذه المقدمة بالبناء على تلك المقدمة لزم توقيف الدليل على المدلول وتوقيف المدلول على الدليل ، وأنه يوجب الدور. والدور الباطل. فيثبت أنه إن كان مقصودهم من تلك الكلمات مجرد ادعاء البديهة فهو باطل قطعا. لأن الشيء المختلف فيه بين العقلاء قديما وحديثا. كيف يمكن ادعاء البديهة فيه؟ لا سيما وجمهور العقلاء المحققين مصرون على فساده ، وإما إن كان مقصودهم منه ذكر الدليل فهو يوجب الدور ، لأجل أن هذه المقدمة لا يمكن الاعتراف بصحتها إلا بعد إثبات هذا المطلوب ، فلو حاولنا إثبات هذا المطلوب بتلك المقدمة لزم الدور. وهذا كلام

__________________

(١) من (و).

(٢) وجود (س).

٢١

واف بالكشف عن حقيقة الحال في هذه المباحث.

أما الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا فإنه سلم أن الجزم بهذه المقدمة حاصل. إلا أنه زعم أن الجازم بها هو الوهم لا العقل. وزعم أن حكم الوهم في غير المحسوسات غير موثوق به.

ولقائل أن يقول : إما أن تقولوا : إن الجزم الحاصل [في هذه المقدمة يساوي الجزم الحاصل (١)] في سائر البديهيات. كقولنا : الواحد نصف الاثنين ، وأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. وإما أن تنكروا هذه المساواة. فإن ذهبتم إلى القسم الأول ، وهو : إذا كانت قوة الجزم في الصورتين بالتساوي. فالعلم بكون إحداهما حقة والأخرى باطلة ، إما أن يكون علما ضروريا أو نظريا. فإن كان العلم الضروري بالفرق بينهما حاصلا ، كان ذلك مانعا من حصول الجزم القوي لكل واحد منهما ، وأن كان الفرق لا يعرف إلا بالنظر والدليل ، فحينئذ تصير صحة البديهيات موقوفة [على الدليل ، إلا أن صحة الدليل موقوفة (٢)] على البديهيات فيلزم الدور وهو باطل. وإما إن ذهبتم إلى القسم الثاني وهو أن الجزم بهذه القضية ليس في القوة والشدة [مثل جزم العقل بالبديهيات (٣) فحينئذ تخرج هذه القضية عن أن يكون مجزوما بها ابتداء. وذلك يوجب سقوطها بالكلية [فهذا تمام الكلام في هذا الباب (٤)]

__________________

(١) من (س).

(٢) من (و).

(٣) من (و).

(٤) من (و).

٢٢

الفصل الثاني

في

بيان أنه لا يجب أن يكون لكل موجود نظير وشبيه.

وانه ليس يلزم من نفي النظير والشبيه نفي ذلك الشيء

الذي يدل على صحة قولنا وجوه :

الحجة الأولى : إن بديهة العقل لا تستبعد وجود موجود موصوف بصفات مخصوصة، بحيث يكون كل ما سواه مخالفا له في تلك الخصوصية. وإذا لم يكن هذا ممتنعا في البديهة ، علمنا : أنه لا يلزم من عدم نظير الشيء ، عدم ذلك الشيء.

الحجة الثانية : وهي أن وجود الشيء أما أن يتوقف على وجود مثله ، أو لا يتوقف. والأول باطل. لأنهما لما كانا مثلين وجب استواؤهما في جميع اللوازم ، فلو توقف وجود هذا ، على وجود مثله ، لزم أن يتوقف وجود الثاني ، على وجود الأول ، فيلزم أن يتوقف وجود كل واحد منهما على وجود نفسه. وذلك محال في البديهة.

الحجة الثالثة : إن تعين كل شيء من حيث أنه هو هو ، مغاير لأصل الماهية المشترك فيها ، بين تلك الأشخاص. ثم نقول : إن تعين هذا الشيء المعين ، ممتنع الحصول في غيره [وإلا لكان ذلك الشيء نفس غيره ، وذلك باطل في بديهة العقل فيثبت : أن تعين كل شيء من حيث إنه هو ممتنع الحصول في غيره (١)] فعلمنا : أن عدم النظير والمساوي لا يدل على عدم الشيء. فظهر

__________________

(١) من (و).

٢٣

بهذا فساد قول من يقول : إنه [لا علينا أن (١)] نعقل وجود موجود لا يكون متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ، إلا إذا وجدنا له نظيرا. فإن عندنا الموصوف بهذه الصفة ليس إلا الله تعالى. وبينا : أنه لا يلزم من عدم النظير أو الشبيه ، عدم ذلك الشيء. فيثبت : أن هذا الكلام ساقط بالكلية.

__________________

(١) من (س).

٢٤

الفصل الثالث

في

إقامة الدلائل على أنه تعالى يمتنع أن يكون جسما

لأهل العالم في هذا الباب قولان : فالجمهور الأعظم منهم اتفقوا على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الجسمية ، والحصول في الحيز. وقال الباقون : إنه متحيز ، وحاصل في الحيز. وهؤلاء هم المجسمة. ثم القائلون بأنه جسم اختلفوا في أشياء.

فالأول : إنهم في الصورة على قولين. منهم من قال : إنه على صورة الإنسان. ومنهم من لا يقول به. أما الأول فالمنقول عن مشبهة المسلمين : أنه تعالى على صورة إنسان شاب. والمنقول عن مشبهة اليهود (١) : إنه على صورة إنسان شيخ.

__________________

(١) في التوراة أن الله إله واحد. وفي التوراة أن الله ليس كمثله شيء. ففي الأصحاح السادس من سفر التثنية : «اسمع يا إسرائيل. إن الرب إلهنا رب واحد. فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا آمرك بها اليوم في قلبك ، وكررها على بنيك وكلمهم بها إذا جلست في بيتك وإذا مشيت في الطريق وإذا نمت وإذا قمت. واعقدها علامة على يدك ، ولتكن عصائب بين عينيك ، واكتبها على عضائد أبواب بيتك وعلى أبوابك» [تثنية ٦ : ٤ ـ ٩ ترجمة اليسوعيين] وفي الأصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية : «لا كفء لله» وفي ترجمة البروتستانت : «ليس مثل الله» [تثنية ٣٣ : ٢٦].

وقال موسى بن ميمون في دلالة الحائرين : إن ما ورد في التوراة مما يوحي بأن الله شبه إنسان بأعضائه وبصفاته. فذلك مؤول على معنى : إن الله يقرب ذاته إلى عقول الخلق ، حديثه عن نفسه كأنه واحد منهم. أما هو فليس مثل انسان وليس كمثله شيء وذلك ليفهم الخلق ذات الله ـ

٢٥

وأما الذين يقولون إنه ليس على صورة الإنسان فهم يقولون : إنه على صورة نور عظيم. وذكر أبو معشر المنجم : أن سبب إقدام الناس على عبادة الأوثان : أن الناس في الدهر الأقدم كانوا على مذهب المجسمة. وكانوا يعتقدون : أن إله العالم نور عظيم ، وأن الملائكة أنوار إلا أنهم أصغر جثة من النور الأول. ولما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثنا ـ وهو أكبر الأوثان ـ على صورة الإله ، وأوثانا أخرى أصغر من ذلك الوثن ، على صور مختلفة ـ وهي صور الملائكة ـ واشتغلوا بعبادتها على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة.

فثبت : أن دين عبدة الأصنام كالفرع على قول المشبهة.

والموضع الثاني من مواضع الاختلافات : أن المجسمة اختلفوا في أنه هل يصح عليه الذهاب والمجيء ، والحركة والسكون؟ فأباه بعض الكرامية ، وأثبته قوم منهم. وجمهور الحنابلة يثبتونه.

والموضع الثالث : القائلون بأنه نور ينكرون الأعضاء والجوارح مثل : الرأس واليد والرجل. وأكثر الحنابلة يثبتون هذه الأعضاء والجوارح.

الموضع الرابع : اتفق القائلون بالجسمية والحيز على أنه في جهة فوق. ثم إن هذا المذهب يحتمل وجوها ثلاثة [لأنه تعالى (١)] إما أن يكون ملاقيا للعرش ، أو مباينا للعرش ببعد متناه ، أو مباينا عنه ببعد غير متناه. وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الأقسام ذاهب.

الموضع الخامس : إن القائلين بالجسمية والحيز ، اتفقوا على أنه متناه من جهة التحت. فأما في سائر الجهات الخمس. فقد اختلفوا فمنهم من قال إنه متناه من كل الجهات. ومنهم من قال : إنه متناه من جهة التحت ، وغير متناه

__________________

ـ على نحو قريب من تصوراتهم. وما جاء عن مشبهة اليهود أن الله يبكي على خراب هيكل سليمان ويلعب مع الحيتان. فهو قول قال به سفهاء من اليهود ، لا وزن لهم عند الله ولا عند الناس.

(١) من (و).

٢٦

من سائر الجهات. ومنهم من قال : إنه [غير] (١) متناه من جهة الفوق [وغير] (٢) متناه من سائر الجهات.

الموضع السادس : إنه تعالى حاصل في ذلك الحيز المعين لذاته. أو لأجل معنى قائم به، يقتضي حصوله في الجهة المعينة؟ وهو مثل اختلافهم في أنه تعالى عالم لذاته ، أو عالم بالعلم؟ وهذا هو التنبيه على مواضع الخلاف والوفاق.

الموضع السابع : إن العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، حالة في جميع أجزاء ذلك الجسم بالسوية ، أو يكون لكل واحد من هذه الصفات جزء معين من ذلك الجسم يكون ذلك الحيز محلا لتلك الصفة بعينها؟ ذهب إلى كل واحد من هذين القولين ذاهب.

والذي يدل على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحجمية وجوه :

الحجة الأولى : لا شيء من واجب الوجود لذاته بممكن الوجود لذاته ، وكل متحيز فإنه ممكن الوجود لذاته ، ينتج فلا شيء من واجب الوجود لذاته بمتحيز [أما الصغرى فبديهية ، وأما الكبرى فلأن كل متحيز مركب ، وكل مركب ممكن لذاته ، ينتج : أن كل متحيز ممكن لذاته] (٣).

وإنما قلنا : إن كل متحيز مركب لوجوه :

الأول : إن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره ، وكل ما كان كذلك فهو مركب ، ينتج: أن كل متحيز مركب. وتمام القول فيه مقرر بالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد.

والثاني : قالت الفلاسفة : كل جسم فهو مركب من الهيولى والصورة.

__________________

(١) من (س).

(٢) من (س).

(٣) من (و).

٢٧

الثالث : [كل متحيز] (١) فإنه يشارك سائر المتحيزات في كونه متحيزا ، ويخالفها بتعينه ، وما به المشاركة غير ما به المخالفة ، فوجب أن يكون كل فرد من أفراد المتحيزات مركبا من عموم التحيز ، الذي به المشاركة ، ومن ذلك التعين الذي به المخالفة.

فيثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أن كل متحيز مركب.

أما بيان أن كل مركب فهو ممكن. فلأن كل مركب فإنه مفتقر إلى حيزه ، وحيزه غيره ، فكل مركب فإنه مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ، فهو ممكن لذاته ، ينتج أن كل مركب ممكن لذاته. فقد بان : أن كل جسم [مركب ، وينج أن كل جسم ممكن لذاته ، فيثبت : أنه لا شيء من واجب الوجود (٢)] ممكن لذاته. فيثبت : أن كل جسم ممكن لذاته، ينتج أنه لا شيء من واجب الوجود لذاته بجسم. وهو المطلوب.

الحجة الثانية : لو كان متحيزا لكان مثلا لسائر المتحيزات [في تمام الماهية وهذا محال فذاك محال. بيان الأول : أنه لو كان متحيزا ، لكان مساويا لسائر المتحيزات (٣)] في كونه متحيزا. ثم بعد هذا لا يخلو إما أن يقال : إنه يخالف سائر الأجسام في شيء من مقومات ماهيته ، وإما أن لا يكون كذلك ، والأول باطل ، فيبقى الثاني. وإنما قلنا : إن الأول باطل، لأنه إذا كان مساويا لسائر المتحيزات في كونه متحيزا ، ومخالفا لها في شيء من مقومات تلك الماهية. وما به المشاركة غير ما به المخالفة ، فكان عموم كونه متحيزا مغايرا لتلك الخصوصية التي وقعت بها المخالفة. إذا ثبت هذا فنقول : هذان الأمران إما أن يكون كل واحد منهما صفة للآخر وإما أن لا يكون كل واحد منهما صفة للآخر. وإما أن يكون ما به المخالفة موصوفا ، والمتحيز الذي به المشاركة صفة. وإما أن يكون بالعكس منه ، وهو أن يكون المتحيز موصوفا ، وما به المخالفة يكون صفة.

__________________

(١) من (س).

(٢) من (س).

(٣) من (و).

٢٨

والأقسام الثلاثة الأولى باطلة ، فبقي الرابع. وذلك يفيد القول بأن الأجسام متماثلة في تمام الماهية. وإنما قلنا : إن القسم الأول باطل ، لأن ذلك يقتضي : أن يكون كل واحد منهما ذاتا مستقلة بنفسها ، ومع ذلك فيكون صفة مفتقرة إلى غيرها ، وذلك باطل. وإنما قلنا : إن القسم الثاني باطل ، لأن على هذا التقدير يكون كل واحد منهما ذاتا مستقلة بنفسها ، ولا يكون [لواحد منها (١)] تعلق بالآخر. وكلا منا ليس [٧ لا] (٢) في الذات الواحدة. وإنما قلنا : إن القسم الثالث باطل لأنا إذا فرضنا أن ما به المخالفة هو الذات ، وما به المشاركة ـ وهو التحيز ـ هو الصفة. فنقول : إن الذي به المخالفة إما أن يكون مختصا بالحيز والجهة ، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فهو جسم متحيز فيلزم أن يكون جزء ماهية الجسم جسما ، وهو محال. وإن كان الثاني امتنع حصول المتحيز فيه. لأن ذلك الشيء لا حصول له في شيء من الأحياز ، والمتحيز واجب الحصول في الحيز ، وحصول ما يكون واجب الحصول في الحيز ، في شيء ، يكون ممتنع الحصول في الحيز. وذلك من محالات العقول فيثبت بما ذكرنا : فساد الأقسام الثلاثة. فلم يبق إلا الرابع ، وهو أن يكون ما به المشاركة وهو المتحيز ذاتا وما به المخالفة صفة. فإذا كان المفهوم من المتحيز مفهوما واحدا. فحينئذ تكون المتحيزات متماثلة في تمام الماهية والذات. فيثبت بما ذكرنا : أنه لو كان متحيزا لكان مثلا لسائر المتحيزات في تمام الماهية والذات. وإنما قلنا : إن ذلك محال.

لوجوه : الأول : إن المتماثلات في تمام الماهية ، يجب استواؤها في اللوازم والتوابع. فإما أن تكون جميع الأجسام غنية عن الفاعل ، وإما أن تكون جميعها محتاجة إلى الفاعل [والأول باطل لأنا دللنا على أن العالم محدث محتاج إلى الفاعل (٣)] فيتعين الثاني. فيثبت : أن كل متحيز فهو محتاج إلى الفاعل ،

__________________

(١) من (س) وفي (ط) : منهما.

(٢) من (و).

(٣) من (و).

٢٩

فخالق الكل يمتنع أن يكون متحيزا.

الثاني : إن اختصاص ذلك الجسم بالعلم والقدرة والإلهية إما أن يكون من الواجبات، أو من الجائزات. والأول باطل ، وإلا لزم أن تكون كل الأجسام موصوفة بتلك الصفات على سبيل الوجوب ، لما أنه ثبت : أن الأفراد الداخلة تحت النوع يجب كونها متساوية في جميع اللوازم ، والثاني باطل. وإلا لزم أن لا يحصل في ذلك الجسم المعين : هذه الصفات. إلا بجعل جاعل وتخصيص مخصص. فإن كان ذلك الجاعل جسما ، عاد الكلام فيه. ولزم إما التسلسل وإما الدور. وإن لم يكن جسما فهو المطلوب.

والثالث : [إن الأجسام (١)] لما كانت متماثلة ، فلو فرضنا بعضها قديما ، وبعضها محدثا لزم المحال. ذلك لأن كل ما صح على الشيء صح على مثله. فيلزم جواز أن ينقلب القديم محدثا ، وأن ينقلب المحدث قديما. وذلك محال ، معلوم الامتناع بالبديهة.

والرابع : إنه كما صح التفرق والتمزق على سائر الأجسام ، وجب أن يصحا على ذلك الجسم ، وكما صحت الزيادة والنقصان ، والعفونة والفساد على سائر الأجسام ، وجب أن يصح كل ذلك عليه. ومعلوم أن ذلك باطل محال.

الخامس : إن الأجزاء المفترضة في ذلك المجموع تكون متساوية في تمام الماهية. ولا شك أن بعض تلك الأجزاء وقع في العمق ، وبعضها في السطح وكل ما صح على الشيء صح على مثله ، فالذي وقع في العمق يمكن أن يقع في السطح وبالعكس. وإن كان الأمر كذلك ، كان وقوع كل جزء على الوجه الذي وقع عليه ، لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص ، وبجعل جاعل. وذلك على إله العالم : محال.

__________________

(١) من (و).

٣٠

واعلم : أن هذه الحجة قوية. إلا أنها توجب صحة الخرق والالتئام على الفلك. والفلاسفة لا يقولون به.

الحجة الثالثة : لو كان متحيزا لكان متناهيا ، وكل متناه ممكن. وواجب الوجود ليس بممكن ، فالمتحيز لا يكون واجب الوجود لذاته. أما بيان أن كل متحيز فهو متناه ، فللدلائل الدالة على تناهي الأبعاد ، وأما أن كل متناه ممكن ، فلأن كل مقدار فإنه يمكن فرض كونه أزيد منه قدرا ، وأنقص منه قدرا.

والعلم بثبوت هذا الإمكان ضروري. فيثبت : أن كل متحيز ممكن ، ويثبت أن واجب الوجود ليس بممكن ، ينتج : فلا شيء من المتحيزات بواجب الوجود ، وينعكس فلا شيء من واجب الوجود بمتحيز.

الحجة الرابعة : لو كان متحيزا لكان مساويا لسائر المتحيزات ، في كونه متحيزا. وإما أن يخالفها بعد ذلك في شيء من المقومات ، وإما ألا يكون كذلك وعلى التقدير الأول يكون المتحيز جنسا تحته أنواع وعلى التقدير الثاني يكون نوعا تحته أشخاص.

ونقول : الأول باطل. وإلا لكان واجب الوجود ، مركبا من الجنس ، وهو المتحيز ، ومن الفصل وهو المقوم الذي به يمتاز عن غيره ، وكل مركب ممكن ، فواجب الوجود لذاته ، ممكن الوجود لذاته. هذا خلف. والثاني أيضا باطل ، وهو أن يكون المتحيز نوعا تحته أشخاص ، وذلك لأن المفهوم من المتحيز قدر مشترك بين كل الأشخاص وتعين كل واحد منها غير مشترك بينه وبين الأشخاص ، فتعين كل واحد منها زائد على طبيعته النوعية ، والمقتضى لذلك التعين المعين إن كان هو تلك الماهية ، أو شيء من لوازمها ، وجب أن يكون ذلك النوع مخصوصا بذلك الشخص ، لكنا فرضناه مشتركا فيه بين الأشخاص.

هذا خلف.

٣١

وإن كان أمرا منفصلا ، فكل شخص من أشخاص الجسم المتحيز ، إنما يتعين بسبب منفصل. فلا يكون واجب الوجود لذاته (١).

فثبت : أن كل جسم فهو ممكن لذاته ، وما لا يكون ممكن الوجود لذاته ، امتنع أن يكون جسما.

الحجة الخامسة : لو كان جسما ، لجاز عليه التفرق والتمزق ، وهذا محال. [فذاك محال (٢)] بيان الملازمة : أنه إذا كان مركبا من الأجزاء ، وجب انتهاء تحليل تلك الأجزاء إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه بسيطا ، مبرأ عن التركيب والتأليف ، وإذا كان [كذلك كان (٣)] طبع يمينه مساويا. لطبع يساره ، وإلا لصار مركبا.

وإذا ثبت مساواة الجانبين في الطبيعة والماهية ، فكل ما كان ممسوسا بجانب يمينه ، وجب أن يصح كونه ممسوسا بجانب يساره ، ضرورة أن كل ما صح على شيء ، فإنه يصح أيضا على مثله ، وإذا كان كذلك ، فكما صح على ذلك الجزء ، أن يماس الجزء الثاني ، بأحد وجهيه ، وجب أن [يصح عليه أن (٤)] يماسه بالوجه الثاني. وإذا ثبت جواز ذلك ، ثبت جواز صحة التفرق والتمزق عليه.

وإنما قلنا : إن ذلك محال ، لأنه لما صح الاجتماع والافتراق على تلك الأجزاء ، لم يترجح الاجتماع على الافتراق إلا بسبب منفصل ، فيلزم افتقاره في وجوده إلى السبب المنفصل. وواجب الوجود [لذاته ، يمتنع أن يكون كذلك ، فيثبت أن واجب الوجود لذاته ليس جسما.

الحجة السادسة :] (٥) لو كان متحيزا لكان جسما ، لأنه لم يقل أحد من

__________________

(١) وإن كان امرا منفصلا [عن تلك الماهية ولوازمها ، فحينئذ لا يصح ذلك الشخص المعين ، معينا منفصلا] فكل شخص من أشخاص ... الخ (و).

(٢) من (و).

(٣) من (س).

(٤) من (س).

(٥) من (و).

٣٢

العقلاء بأنه في حجم الجوهر الفرد ، وإذا كان جسما كان مركبا من الأجزاء ، فإما أن يكون الموصوف بالعلم والقدرة والصفات المعتبرة في الإلهية : جزءا واحدا من تلك الأجزاء ، وإما أن يكون الموصوف بتلك الصفات مجموع تلك الأجزاء. فإن كان الأول كان الإله هو ذلك الجزء الواحد ، منفردا (١) فيعود الأمر إلى ما ذكرناه من أن الإله يكون في حجم الجوهر الفرد، وإن كان الثاني فنقول : إما أن تقوم الصفة الواحدة بجميع تلك الأجزاء ، وإما أن تتوزع أجزاء تلك الصفة على تلك الأجزاء ، وإما أن يقوم بكل واحد من تلك الأجزاء علم على حدة وقدرة على حدة ، والأول باطل. لأن قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة غير معقول والثاني محال لأن كون العلم قابلا للقسمة محال على ما بيناه في مسألة إثبات النفس. والثالث أيضا محال ، لأنه يلزم كون كل واحد من تلك الأجزاء موصوفا بجملة الصفات المعتبرة في الإلهية. وذلك يوجب تعدد الآلهة ، وذلك محال. فإن قيل : ما ذكرتموه من الدليل قائم في الانسان ، فإن مجموع بدنه لا شك أنه مركب من الأجزاء الكثيرة ، فيلزم أن يقوم بكل واحد من تلك الأجزاء علم على حدة ، وقدرة على حدة ، فيلزم أن يكون الإنسان الواحد علماء ، قادرين كثيرين. وذلك باطل. قلنا : أما الفلاسفة فقد طردوا قولهم في الكل وزعموا : أن الموصوف بالعلم والقدرة هو النفس لا الجسم ، وإلا لزم هذا المحال.

وأما الأشعري فإنه التزم كون كل واحد من أجزاء الإنسان عالما قادرا حيا ، وذلك في غاية البعد ، إلا أن التزامه وإن كان بعيدا ، لكن لا يلزم منه محال ، أما التزام ذلك في حق الله تعالى ، فهو محال. لأنه يوجب القول بتعدد الآلهة. [وهو محال (٢)].

الحجة السابعة : لو كان جسما لكان إما أن تكون الحركة جائزة عليه ، وإما أن لا تكون. والقسمان باطلان فالقول بكونه متحيزا باطل. بيان أن الحركة ممتنعة عليه : أنه لو جاز في الجسم الذي تصح الحركة عليه أن يكون إلها

__________________

(١) منفردا (س).

(٢) من (س).

٣٣

فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الشمس والقمر؟ لأن الأفلاك والكواكب ليس فيها عيب، يمنع من كونها آلهة ، إلا أمورا ثلاثة ، وهي كونها مركبة من الأجزاء ، وكونها محدودة متناهية ، وكونها قابلة للحركة والسكون. وإذا لم تكن هذه الأشياء مانعة من الإلهية ، فكيف يمكن الطعن في إلهية الشمس والقمر؟ بل في إلهية العرش والكرسي. وذلك عين الكفر والإلحاد ، وإنكار الصانع. وأما القسم الثاني وهو أن يقال : إن إله العالم جسم. ولكن الانتقال والحركة عليه محال. فنقول : هذا باطل من وجوه : الأول : إن هذا يكون كالزمن المقعد ، الذي لا يقدر على الحركة وذلك نقص وهو على الله محال. والثاني : إنه تعالى لما كان جسما ، كان مثلا لسائر الأجسام ، فكانت الحركة جائزة عليه. والثالث : إن القائلين بكونه جسما مؤلفا من الأجزاء والأبعاض ، لا يمتنعون من تجويز الحركة عليه. فإنهم يصفونه تعالى بالذهاب والمجيء ، فتارة يقولون : إنه جالس على العرش ، وقدماه على الكرسي ، وهذا هو السكون. وتارة يقولون : إنه ينزل إلى السماء الدنيا وهذا هو الحركة. فهذا جملة الدلائل الدالة على أنه تعالى ليس بجسم (١). والله أعلم.

__________________

(١) على أنه يمتنع كونه جسما (س).

٣٤

الفصل الرابع

في

إقامة الدلائل على أنه يمتنع كونه جوهرا

اعلم : أن الجوهر قد يراد به أحد أمور أربعة : الأول : إنه المتحيز الذي لا يقبل القسمة. وهو بناء على إثبات الجوهر الفرد ، ومن لم يقل به ، يسقط عنه هذا البحث ، ومن قال به قال : إن الجواهر كلها متماثلة ، فلو كان واحد منها قديما ، واجب الوجود لذاته ، كانت كلها كذلك. وهو محال. والتفسير الثاني للجوهر : إنه الذي يصح طريان الأعراض عليه. فإذا دللنا على أن واجب الوجود لذاته ، يجب أن يكون واجب الوجود في جميع صفاته ، كان ذلك دليلا على امتناع التغير عليه. والتفسير الثالث للجوهر : هو الذي يضاف إليه شيء آخر ، فيحصل من تركيبه مع غيره شيء ثالث. وذلك أيضا محال لأن تركيبه مع غيره موقوف على كونه متحيزا في نفسه ، وذلك محال. والتفسير الرابع : قال الشيخ الرئيس أبو علي : «الجوهر هو الماهية التي إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضع». وقد بالغنا في شرح هذا التعريف في باب الجوهر والعرض ، إلّا أن هذا التعريف لا يصدق إلّا على الماهية التي يكون وجودها مغايرا لماهيتها. قال الشيخ الرئيس : «وهذا في حق الله محال». لأنا قد دللنا : على أن وجود الله تعالى عين ماهيته.

وأعلم أن هذه المسألة قد تقدم القول فيها على الاستقصاء. وهو بحث

٣٥

لفظي محض ، لأن من يقول : وجوده عين ماهيته ، يقول : إن عنيت بكونه جوهرا ، هذا القدر فليس فيه إلا [إلزام الشيء على (١)] نفسه وهو محال. والله أعلم.

__________________

(١) من (و).

٣٦

الفصل الخامس

في

بيان أنه يمتنع أن يكون واجب الوجود

مختصا بمكان وحيّز

نقول : إن الذي يدل على أن الأمر كذلك وجوه :

الحجة الأولى : لو كان مشارا إليه بالحس ، لكان إما أن يكون منقسما بحسب الإشارة الحسية ، وأما أن لا يكون. والقسمان باطلان. فالقول بكونه في المكان والجهة : باطل. أما الحصر فظاهر ، وأما أنه يمتنع أن يكون قابلا للقسمة : فلأنه يلزم أن يكون جسما مؤلفا من الأجزاء ، وقد أبطلناه. وأما بيان أنه يمتنع كونه غير قابل للقسمة فلوجوه :

الأول : إن كل متحيز فإن يمينه غير يساره. وكل ما كان كذلك فهو منقسم.

والثاني : إن أحدا من العقلاء لم يقل : إن إله العالم بلغ في الصغر والحقارة إلى حد الجوهر الفرد.

والثالث : إنه لو جاز ذلك لم يمتنع أن يكون ذرة من الذرات الواقعة من الجوهر : إله العالم. ومعلوم أنه [باطل بالبديهة ، فثبت أنه (١)] لو كان مشارا إليه بحسب الحس لكان إما أن يكون منقسما ، أو غير منقسم ، وثبت فساد القسمين ، فيثبت أنه [لا يمكن أن يكون مشارا إليه بحسب الحس. فإن قيل :

__________________

(١) من (س).

٣٧

لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى (١)] واحد منزه عن التأليف والتركيب. ومع ذلك فإنه يكون عظيما؟ قوله : «العظيم يجب أن يكون مركبا منقسما» قلنا : سلمنا أن العظيم يجب أن يكون منقسما في الشاهد ، فلم قلتم : إنه يجب أن يكون كذلك في الغائب؟ فإن قياس الغائب على الشاهد من غير جامع باطل. ثم نقول : لم يجوز أن يكون غير منقسم ، ويكون في غاية الصغر؟ قوله : «إنه على هذا التقدير يكون حقيرا. وذلك على الله محال». قلنا : الذي لا يمكن أن يشار إليه البتة ولا يمكن أن نحس به ، يكون كالعدم ، فيكون أشد حقارة. وإذا جاز هذا فلم لا يجوز ما ذكرناه؟

والجواب عن الأول : أن نقول : إنه إذا كان عظيما في الإشارة الحسية كان منقسما فليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد. بل هذا بناء على البرهان القطعي. وذلك لأنا. إذا أشرنا إلى نقطة لا تنقسم ، فإما أن يحصل فوقها شيء آخر أو لا يحصل ، فإن حصل فوقها شيء آخر ، كان ذلك الفوقاني ، مغايرا للتحتاني. إذ لو جاز أن يقال : ذلك الفوقاني هو عين التحتاني ، فحينئذ يكون قد حصل الشيء الواحد دفعة واحدة في حيزين ، وذلك باطل في البديهة. ولأنه لو جاز ما ذكرتم ، لجاز أن يقال : إن هذا الجبل ليس إلا جوهرا فردا ، وجزءا لا يتجزأ. إلا أنه حصل في أحياز كثيرة ، فلهذا السبب نشاهده شيئا عظيما ، مع أن ذلك لا يقوله عاقل. وأما أنه لم يحصل فوق تلك النقطة شيء آخر ، لا على يمينها ولا على يسارها ولا من تحتها ، فحينئذ يكون ذلك المشار إليه نقطة غير منقسمة ، وجزءا لا يتجزأ فيكون في غاية الحقارة ، وذلك باتفاق العقلاء باطل. فيثبت : أن هذا الشيء ليس من باب قياس الغائب على الشاهد ، بل هو مبني على التقسيم الدائر بين النفي والإثبات.

واعلم : أن الحنابلة القائلين بالتركيب والتأليف أسوأ حالا من هؤلاء الكرامية. وذلك لأنهم اعترفوا بكونه مركبا من الأجزاء والأبعاض. وأما هؤلاء

__________________

(١) من (و).

٣٨

الكرامية فإنهم زعموا : أنه مشار إليه بحسب الحس. وزعموا : أنه غير متناه. ومنهم من يقول: إنه متناه ، إلا أنه في غاية العظمة. ثم زعموا مع ذلك : أنه واحد لا يقبل القسمة. فلا جرم صار قولهم على خلاف صريح العقل.

أما قوله : «الذي لا يحس به ولا يشار إليه أشد حقارة من الجزء الذي لا يتجزأ» قلنا : كونه موصوفا بالحقارة ، إنما يلزم لو كان له حيز ومقدار ، حتى يقال : إنه أصغر من غيره فأما إذا كان منزها عن المقدار والحيز ، ولم يحصل بينه وبين غيره مناسبة في الحيز والمقدار. فلم يلزم وصفه بالحقارة والصغر؟ [والله أعلم (١)].

الحجة الثانية في بيان أنه يمتنع كونه مختصا بالحيز والجهة : [إنه لو كان مختصا بالحيز، والجهة (٢)] لكان محتاجا في وجوده إلى ذلك الحيز والجهة. وهذا محال ، فذاك محال. بيان الملازمة : إن الحيز والجهة موجود من الموجودات ، والدليل عليه وجوه :

الأول : إن الأحياز الفوقانية مخالفة في الحقيقة والماهية ، للأحياز التحتانية. بدليل أنهم قالوا : يجب أن يكون الله تعالى مختصا بجهة الفوق ، ويمتنع حصوله في سائر الجهات والأحياز ، أعني التحت واليمين واليسار ، فلولا كون الأحياز مختلفة في الحقائق والماهيات. وإلا لامتنع القول بأنه يجب حصوله تعالى في الفوق ، ويمتنع حصوله في سائر الجهات. فيثبت بما ذكرنا : أن هذه الأحياز أمور مختلفة في الماهيات ، ويجب كونها أمورا موجودة لأن العدم المحض يمتنع كونه كذلك.

الثاني : إن الجهات مختلفة بحسب الإشارات الحسية ، والنفي المحض والعدم الصرف ، يمتنع تميز بعضه عن البعض في الإشارة الحسية.

الثالث : إن الجوهر الفرد إذا انتقل من حيز إلى حيز ، فالحيز المتروك

__________________

(١) من (و).

(٢) من (و ، س).

٣٩

مغاير للحيز المطلوب ، والمنتقل منه مغاير للمنتقل إليه.

فيثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أن الحيز والجهة أمر موجود.

ثم إن المسمى بالحيز والجهة موجود مستغن في وجوده عن ما يتمكن فيه ، ويستقر فيه، وأما الذي يكون مختصا بالحيز والجهة فإنه يكون مفتقرا إلى الحيز والجهة ، فإن الشيء الذي يكون مشارا إليه بحسب الحس يمتنع حصوله إلا مختصا بالحيز والجهة. فيثبت : أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة ، لكان مفتقرا في وجوده إلى الغير وإنما قلنا : إنه محال. لوجوه :

الأول : إن المفتقر في وجوده إلى الغير ، يكون بحيث يلزم من عدم ذلك الغير عدمه ، وكل ما كان كذلك كان ممكنا لذاته وذلك في حق واجب الوجود لذاته محال.

الثاني : إن المسمى بالحيز والجهة أمر مركب من الأجزاء والأبعاض ، لما بينا (١) أنه يمكن تقديره بالذراع ، ويمكن وصفه بالزائد والناقص. وكل مركب فإنه مفتقر إلى جزئه. وجزؤه غيره. فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، فيكون ممكنا لذاته ، ينتج : أن الشيء المسمى بالحيز والجهة ممكن لذاته. فلو كان الله تعالى مفتقرا [إليه ، لكان مفتقرا (٢)] إلى الممكن لذاته ، والمفتقر إلى الممكن أولى بأن يكون ممكنا لذاته. فالواجب لذاته ممكن لذاته. هذا خلف.

الثالث : لو كان الباري تعالى أزلا وأبدا مختصا بالجهة والحيز ، لكان الجهة والحيز موجودا في الأزل ، فيلزم إثبات قديم غير الله ، وذلك محال بالإجماع.

فيثبت بهذه البيانات : أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة ، فإنه تلزم هذه المحالات، فوجب أن نقطع بكونه تعالى ، منزها عن الحيز والجهة ، دفعا لهذه المحالات. فإن قيل : إنه لا معنى لكونه تعالى مختصا بالحيز والجهة إلّا كونه

__________________

(١) ثبت (م).

(٢) من (س).

٤٠