المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٢

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٢

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ١٥٤
  نسخة غير مصححة

ذلك الوجوب الذي به المشاركة أو أن يكون (١)] كل واحد منهما غير مستلزم للثاني ، والأقسام الثلاثة باطلة. أما الأول وهو أن الوجوب الذي به المشاركة ، يستلزم ذلك التعين الذي به المخالفة. فنقول : إن كان الأمر كذلك ، فأينما حصل الوجوب بالذات ، وجب أن يحصل ذلك التعين وكل ما كان واجب الوجود لذاته ، وجب أن يكون هو ذلك المعين ، فحينئذ يكون واجب الوجود لذاته ليس إلا ذلك الواحد ، وأما الثاني وهو أن يقال : إن ذلك التعين يوجب الوجوب بالذات ، فهذا أيضا باطل ، لأن الوجوب بالذات إذا كان معللا بذلك التعين ، كان الوجوب بالذات (٢) واجبا بغيره ، وكل ما كان واجبا بغيره كان ممكنا لذاته ، فيلزم أن يكون الوجوب بالذات ممكنا لذاته. وذلك متناقض. وأما الثالث وهو أن يقال : الوجوب بالذات لا يستلزم ذلك الجزء. وذلك التعين أيضا لا يستلزم الوجوب بالذات ، فحينئذ يكون اجتماعهما لا بد وأن يكون بسبب منفصل ، فيلزم أن يكون الواجب لذاته واجبا بغيره. وذلك محال.

الوجه الرابع في إبطال أن يقال أن الذات المتعينة مركبة : هو أن نقول : واجب الوجود إما أن يكون هو نفس ذلك التعين ، أو يكون موجبا لذلك التعين ، أو لا يكون نفس ذلك التعين ، ولا موجبا له والقسمان الأولان يوجبان أن يكون واجب الوجود لذاته واحدا ، والقسم الثالث يقتضي أن لا يصير واجب الوجود لذاته متعينا [إلا (٣)] بسبب منفصل ، وما لا تثبت هويته إلا بسبب منفصل ، كان ممكنا لذاته فيلزم أن يكون واجب الوجود لذاته ، ممكن الوجود لذاته ، وذلك محال.

الحجة الثانية : في توحيد واجب الوجود لذاته : هي أن واجب الوجود لذاته [إن كان مقولا على أشياء كثيرة ، فحينئذ يكون المفهوم من قولنا : واجب

__________________

(١) من (و).

(٢) الوجوب بالذات ، واجب الوجود بالذات ، واجبا بغيره (و).

(٣) من (س).

١٢١

الوجود لذاته (١)] أمرا مشتركا ، ويدخل تحت ذلك المشترك أشياء كثيرة. فنقول : ذلك المشترك إما أن يكون جنسا تحته أنواع ، أو يكون نوعا تحته أشخاص ، وطريق الحصر فيه أن نقول : الأشياء الداخلة تحت ذلك المشترك إما أن يخالف بعضها بعضا في الماهية أولا يكون كذلك. فإن كان الأول (٢) فهو جنس تحته أنواع [وإن كان الثاني فهو نوع تحته أشخاص فنقول : لا يجوز أن يكون واجب الوجود لذاته ، جنسا تحته أنواع (٣)] ويدل عليه وجوه : الأول : إن على هذا التقدير يكون كل واحد من تلك الأشياء مركبا من الجنس والفصل ، وكل مركب ممكن ، فواجب الوجود لذاته ، ممكن الوجود لذاته. هذا خلف. والثاني : إن الفصل سبب لوجود حصة النوع من الجنس ، فلو فرضنا هاهنا فصلا ، لكان ذلك الفصل سببا لوجود [واجب الوجود (٤)] لذاته. وذلك محال. لأن واجب الوجود لذاته ، يمتنع أن يحصل له وجودا آخر ، يكون ذلك الوجود من تأثيرات ذلك الفصل ، بخلاف سائر الماهيات الجنسية ، لأن تلك الماهيات ليست موجودة من حيث هي هي ، فأمكن أن يحصل الوجود لها بسبب ذلك الفصل ، أما وجوب الوجود فيستحيل أن يحصل له وجود آخر ، فامتنع كون الفصل مقوما له. والثالث : هو أن المفهوم من كونه واجب الوجود لذاته ، إن كان قائما بنفسه ، غنيا بذاته عن غيره ، امتنع كون الفصل سببا لقوامه ، وإن لم يكن قائما بنفسه ، لزم أن يكون المفهوم من الوجوب بالذات ، ممكنا بالذات ، محتاجا بالذات ، وذلك متناقض. وأما القسم الثاني وهو أن يقال : إن واجب الوجود لذاته نوع تحته أشخاص، فنقول : المقتضى لذلك الشخص المعين ، إن كان هو تلك الماهية أو شيء من لوازمها وجب أن يقال : إنه أينما حصلت تلك الماهية النوعية ، أن يحصل ذلك الشخص بعينه فكان واجب الوجود هو ذلك الشخص فقط ، وإن كان المقتضى لذلك الشخص سببا منفصلا ، فحينئذ يلزم أن لا يوجد ذلك المعين ، إلا

__________________

(١) من (و).

(٢) من (و).

(٣) من (و ، س).

(٤) من (س).

١٢٢

بسبب منفصل فيكون الواجب لذاته ، واجبا بغيره. وهو محال. فهذا هو الكلام المستقصى في تقرير هذه الوجوه.

ولقائل أن يقول : السؤال على ما ذكرتم من وجوه :

السؤال الأول : أن نقول : أنتم بنيتم كل هذه الوجوه على حرف واحد ، وهو أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجبا لذاته ، فإنه يلزم وقوع التركيب في ذات كل واحد منهما. فنقول : هذا ممنوع وذلك لأن هذا التركيب ، إنما يلزم إن كان الوجوب الذي به الاشتراك مفهوما ثبوتيا ، وكان التعين الذي به الامتياز مفهوما ثبوتيا ، وحينئذ يلزم التركيب وتستمر الشبه التي ذكرتموها. أما بتقدير أن يكون الوجوب الذي به المشاركة مفهوما عدميا ، فإنه لا يلزم التركيب ، لاحتمال أن يقال : إنه وقع الاشتراك في المفهوم السلبي ، ووقع الامتياز بتمام الماهية ، فنفتقر في تقرير هذا السؤال إلى بيان أمرين :

أحدهما : أن الوجوب مفهوم سلبي ، والثاني : أنه إذا كان الأمر كذلك ، لم يلزم وقوع التركيب.

أما المقام الأول : فيدل عليه وجوه :

الأول : إن كل ما صدق عليه أن وجوده ممتنع ، صدق عليه أن عدمه واجب. وعلى هذا التقدير فالوجوب محمول على العدم والمحمول على العدم يمتنع أن يكون موجودا [وإلا لزم قيام الصفة الموجودة بالعدم المحض ، والنفي الصرف. وإنه محال (١)] فيثبت بهذا : أن المفهوم من الوجوب يمتنع أن يكون أمرا موجودا.

الثاني : وهو أنه لو كان الوجوب أمرا ثبوتيا ، لكان إما أن يكون تمام تلك الحقيقة أو جزء منها أو أمرا خارجا عنها ، والأقسام الثلاثة باطلة فالقول بكون الوجوب مفهوما ثبوتيا : باطل.

أما أنه لا يجوز أن يكون تمام الماهية فلوجوه :

__________________

(١) من (س).

١٢٣

أحدها : إنا نصف تلك الماهية بالوجوب. ووصف الشيء بنفسه محال. لأنا ندرك تفرقة بديهية بين قولنا : هذه الذات ، وبين قولنا : هذه الذات واجبة الوجود.

وثانيها : إنه لو كان الوجوب هو نفس تلك الماهية ، لكان كل من عرف الوجوب بالذات عرف تلك الماهية المخصوصة ، ولما لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن الوجوب ليس نفس الماهية.

وثالثها : إن نقيض قولنا : واجب لذاته : أنه ليس بواجب ، ولا يناقضه قولنا : إنه ليس تلك الذات الفلانية ، ولو كان الوجوب نفس تلك الذات لكان نقيض أحدهما ، عين نقيض الآخر.

وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون الوجوب جزءا للماهية. لأنكم لما ذكرتم أن كل ماله جزء فهو : ممكن ، فلو كان الواجب بالذات له جزء ، لكان ممكنا بالذات.

وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون خارجا عن الماهية. فلوجهين :

الأول : إن كل صفة خارجة عن الماهية فهي مفتقرة إلى تلك الماهية ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته ، وواجب بغيره ، فيلزم أن يكون الواجب بالذات ممكنا لذاته ويلزم منه الجمع بين النقيضين ، وهو محال. وأيضا : فلما كان الوجوب بالذات واجبا بغيره ، كان وجوب ذلك الغير سابقا على وجوب هذا الأثر ، فيلزم أن يحصل قبل ذلك الوجوب ، وجوب آخر إلى غير النهاية. وذلك محال.

والثاني : إن الصفة مفتقرة إلى الذات ، محتاجة إليها ، فلو حكمنا بأن وجوب تلك الذات إنما كان بسبب هذه الصفة لزم كون كل واحد منهما مفتقرا ، إلى الآخر وهو محال ، فيثبت بما ذكرنا : أنه يمتنع كون الوجوب بالذات نفس الماهية ، ولا جزءا منها ، ولا صفة خارجة عنها فيمتنع كون الوجوب صفة ثبوتية.

١٢٤

الثالث : لو كان الوجوب أمرا ثابتا لكان مساويا لسائر الموجودات في كونه موجودا ، ومخالفا لها في ماهيته المعينة ، فيكون وجوده غير (١) ماهيته فاتصاف ماهيته بوجوده إن كان على سبيل الإمكان بالذات ، وهو محال. وإن كان على سبيل الوجوب ، لزم أن يكون وجوب لوجود زائدا عليه. ولزم التسلسل. وهو محال.

الرابع : لو كان الوجوب بالذات أمرا ثبوتيا لكان ممكنا لذاته ، وهذا محال ، فذاك محال ، بيان الشرطية : أن الوجوب ينقسم إلى ما يكون وجوبا بالذات ، وإلى ما يكون وجوبا بالغير ، والمفهوم من الوجوب هو الذي به يشترك هذان القسمان ، وكونه بالذات هو الذي به يتميز أحد هذين القسمين عن الثاني ، وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فكونه وجوبا ، مغاير لكونه بالذات ، وإذا كان كذلك كان الوجوب بالذات ماهية مركبة وكل ماهية مركبة فهي ممكنة ينتج أنه لو كان الوجوب بالذات موجودا ، لكان ممكنا. وإنما قلنا : إن ذلك محال لأن كونه وجوبا بالذات ، ماهية مناقضة للإمكان. فالقول بكون إحدى الماهيتين نفس الثاني ، جمع بين النقيضين وهو محال.

الخامس : وهو أن المعقول من الوجوب بالذات ، إما عدم افتقاره إلى سبب منفصل، وإما كونه مقتضيا لوجود نفسه. ولا يعقل من الوجوب بالذات [أمر آخر (٢)] سوى هذين المفهومين.

أما الأول : وهو عدم افتقاره إلى سبب منفصل ، فلا شك أن هذا المفهوم مفهوم سلبي لا ثبوتي. والعلم بأن الأمر كذلك علم ضروري.

وأما الثاني : وهو أن كون تلك الماهية مقتضية لوجود نفسها ، فنقول : ذلك الافتقار إن كان أمرا ثبوتيا ، مغايرا لتلك الماهية ، ولذلك الوجوب ، كان ذلك الاقتضاء لاحقا من لواحق تلك الماهية ، وصفة من صفاتها ، فلا تكون قائمة بنفسها ، مستقلة بذاتها ، فلا بد لها من اقتضاء آخر ، وذلك يوجب

__________________

(١) عين (س).

(٢) من (س).

١٢٥

التسلسل. فثبت بهذه الوجوه الخمسة : أن المفهوم من كون الشيء واجبا لذاته ، ليس مفهوما ثبوتيا ، بل هو مفهوم سلبي.

لا يقال : الدليل على أنه مفهوم ثبوتي وجهان :

الأول : إن وجوب الوجود عبارة عن تأكيد الوجود ، فلو كان الوجوب قيدا عدميا ، لزم أن يكون الشيء متأكدا بسلب نفسه ، وبنقيض نفسه ، وأنه محال.

والثاني : أن نقيض الوجوب هو اللاوجوب ، والمفهوم من اللاوجوب يصدق إما على الممتنع وإما على الممكن الخاص. أما الممتنع فإنه عدم محض. فالذي يصدق عليه ، يجب أن يكون عدما محضا ، وإلا لزم قيام الصفة الموجودة بالعدم المحض. وهو محال. وأما الممكن الخاص فإنه لا يمتنع بقاؤه على العدم ، مع أنه في هذه الحالة يصدق عليه أنه غير واجب. فالمفهوم من اللاوجوب يصدق على العدم المحض في هذه الصورة أيضا. [فوجب أن يكون المفهوم من اللاوجوب هاهنا أيضا عدما محضا ، فيثبت بهذا البرهان : أن اللاوجوب عدم محض (١)] فوجب أن يكون المفهوم من الوجوب ثبوتا محضا بالضرورة ، لأن أحد النقيضين لا بد وأن يكون مفهوما ثابتا. لأنا نقول :

أما الوجه الأول : فجوابه : أن نقول : ما المراد من قولكم : الوجوب تأكيد الوجود؟ إن أردتم به أن ما يكون واجب الوجود لذاته ، فإنه يفتقر في وجوده إلى سبب منفصل ، فهذا معقول ، إلا أن هذا المعنى. مفهوم سلبي ، والأمر فيه ظاهر. وإن عنيتم به كون تلك الماهية مقتضية لذلك الوجود فقد دللنا على اقتضاء الشيء لشيء آخر ، يمتنع أن يكون موجودا زائدا ، وإلا لزم التسلسل. وإن عنيتم بهذا التأكيد مفهوما ثالثا ، فلا بد من بيانه.

وأما الوجه الثاني فجوابه : أن هذا معارض بأن قولنا : إنه ليس بممكن بالإمكان الخاص ، نقيض لقولنا : إنه ممكن بالإمكان الخاص ، لكن قولنا : إنه

__________________

(١) من (و).

١٢٦

ليس بممكن بالإمكان الخاص يصدق على الممتنع الذي هو عدم محض فوجب أن يكون قولنا : إنه ليس بممكن بالإمكان الخاص عدما محضا ، وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم. وإذا كان كذلك كان قولنا : إنه ممكن بالإمكان الخاص ، مفهوما ثبوتيا.

وإذا ثبت هذا فنقول : الوجوب بالذات عبارة عن نفي الإمكان الخاص وعن نفي الامتناع وثبت أن الإمكان الخاص مفهوم ثبوتي ، وأن الامتناع مفهوم عدمي ، فإن لزم من كون الوجوب بالذات رافعا للامتناع ، كونه ثبوتيا لأن رافع العدم ثبوت لزم من كون هذا الوجوب بالذات ، رافعا للامتناع ، كونه ثبوتيا لأن رافع العدم ثبوت لزم من كون هذا الوجوب بالذات رافعا للإمكان الخاص كونه عدميا ، لأن رافع الثبوت عدم ، وإن لم يلزم هذا ، لم يلزم ذاك أيضا.

فهذا مجموع المباحث الدالة على أن المفهوم من الوجوب بالذات [يمتنع كونه ثبوتيا.

المقام الثاني : في بيان أنه لما كان المفهوم من الوجوب بالذات (١)] أمرا سلبيا ، لم يلزم منه كون الواجب لذاته مركبا. وتقريره : أنه على هذا التقدير يكون الاشتراك حاصلا في هذا المفهوم السلبي ، ويكون الامتياز حاصلا بتمام تلك الحقيقة ، وهذا لا يوجب وقوع التركيب في الحقيقة. والدليل عليه : أنه لا شك في وجود ماهية من الماهيات وتلك الماهيات إما أن تكون بسيطة أو مركبة ، فإن كانت بسيطة فقد حصلت الماهية البسيطة ، وإن كانت مركبة فالمركب إنما يتولد من البسائط. فالقول بإثبات الماهية البسيطة أمر لا بدّ من الاعتراف به ، على كل حال ثم إن كل بسيطين ، فإنه لا بدّ وأن يشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما ، فإن كان الاشتراك في السلوب يوجب وقوع التركيب في الماهية ، لزم كون البسيط مركبا ، وذلك محال. فيثبت بما ذكرنا : أن المفهوم من الوجوب بالذات مفهوم سلبي ، وثبت أنه متى وقع الاشتراك في المفهومات

__________________

(١) من (و).

١٢٧

السلبية ، فإنه لا يلزم وقوع التركيب في الماهية ، فيلزم أن بتقدير وجود أشياء يكون كل واحد منها واجب الوجود لذاته ، فإن لا يلزم وقوع التركيب في ذات كل واحد منها [وهذا آخر الكلام في تقرير هذا المقام (١)]

السؤال الثاني : إن سلمنا أن المفهوم من وجوب الوجود بالذات أمر ثابت ، وسلمنا أن تلك الأشياء متباينة بتعيناتها ، فلم قلتم : إن تعين كل متعين أمر ثابت ، حتى يلزم عليه كون كل واحد من تلك الأشخاص مركبا في ذاته؟ فنفتقر هاهنا إلى بيان أن التعين ليس أمرا ثابتا ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك ، لم يلزم وقوع التركيب. أما بيان أن التعين لا يجوز أن يكون أمرا ثابتا ، فيدل عليه وجوه :

الوجه الأول : إن التعين لو كان أمرا ثابتا ، لوجب أن يكون تعين هذا الشخص ، مغايرا لتعين ذلك الشخص الآخر إذ لو كان تعين هذا ، نفس تعين ذاك الآخر ، لكان هذا هو عين ذاك الآخر ، وذلك يمنع من حصول التعدد وإذا ثبت هذا فنقول : هذه التعينات المتعددة تكون متشاركة في الماهية المسماة بالتعين ، ومتباينة بتشخصاتها ، فيلزم أن يكون تعين التعين زائدا عليه. ويفضي إلى التسلسل [لكن القول بالتسلسل (٢)] يوجب القول [بوجود أسباب ومسببات لا نهاية لها. لأن تعين كل متعين ، علة ، لحصول ذلك المتعين. لكن القول بوجود أسباب ومسببات ، لا نهاية لها محال (٣)] فكان هذا محالا.

وهاهنا وجه آخر يدل على امتناع هذا وذاك وهو : إن كل كثرة فإن الواحد فيها موجود ، فلو حصلت هذه الكثرة ، لكان الواحد فيها حاصلا ، لكن أي شيء فرض كونه واحدا ، فذلك الواحد متعين ، فتعينه زائد عليه ، فلا يكون ذلك الواحد واحدا ،

وقد فرضناه كذلك. هذا خلف فيثبت : أن القول بأن التعين زائد على

__________________

(١) من (و).

(٢) من (س).

(٣) من (س).

١٢٨

الذات ، يفضى إلى هذا المحال ، فكان القول به باطلا.

ولا يقال : لم لا يجوز أن يقال : إنا إذا قلنا : هذا السواد. فهذا السواد إنما تعين لأنه انضافت ماهية السواد إلى ماهية التعين ، وكذلك انضافت ماهية التعين ، إلى ماهية السواد [فماهية السواد (١)] تعينت لانضمام ماهية التعين إليها ، وكذلك ماهية التعين إنما تعينت لانضمام ماهية السواد إليها ، وبهذا الطريق انقطع التسلسل؟ لأنا نقول : هذا باطل. لأن ماهية السواد ماهية كلية ، وماهية التعين ماهية كلية ، [والماهية الكلية (٢)] إذا تقيدت بماهية أخرى كلية ، كان الحاصل بعد ذلك يكون كليا لا شخصيا ، فلو كان الأمر كما ذكرتم ، لكان هذا السواد كليا ، لا شخصا معينا. وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن ما ذكرتموه باطل.

الوجه الثاني : في بيان أن التعين يمتنع كونه معنى زائدا على الذات : هو أنه لو كان معنى زائدا على الذات ، لكان هذا المتعين ليس شيئا واحدا بل شيئان أحدهما : ذلك الشيء. والثاني : تعينه ، وكل معين فتعينه زائدا عليه ، فيلزم أن يكون كل واحد منهما ليس شيئا [بل شيئين ، فعلى هذا التقدير لا يكون ذلك الشيء الواحد شيء واحدا] (٣) بل أشياء غير متناهية ولما كان ذلك محالا كان القول بأن التعين زائدا على الذات قولا باطلا.

والوجه الثالث : إن تعين هذا الشخص مغاير لتعين ذلك الشخص ، فلولا أن حصة [هذا الشخص] (٤) من ماهية السواد مباينة عن حصة الشخص الآخر من السواد ، وإلا لامتنع أن ينضاف هذا التعين إليه دون ذلك التعين. لأن انضاف شيء أجنبي إليه بعينه دون الآخر ، مشروط بامتيازه في نفسه عن الآخر ، فيلزم أن يكون إمكان انضاف هذا التعين إليه ، دون انضاف التعين الآخر إليه مسبوقا بحصول التعين فيه ، فيكون حصول الشيء مسبوقا بحصول

__________________

(١) من (س).

(٢) من (و).

(٣) من (س).

(٤) من (و ، س).

١٢٩

غير ذلك الشيء. وهذا محال. فكان القول بأن التعين أمر زائد على الذات باطلا.

الوجه الرابع : إن التعين لو كان مفهوما زائدا ثابتا ، لكان هذا التعين مركبا من جزءين. وكل واحد من هذين الجزءين ، إن كان واجبا لذاته ، صار واجب الوجود أكثر من واحد ، وأنتم إنما تذكرون هذه الدلائل لإبطاله ، وإن لم يكن كذلك ، فحينئذ يلزم القول بكون أحد هذين الجزءين ممكنا لذاته [وما يكون أحد أجزائه ممكنا لذاته] (١) كان ذلك المركب أولى بالإمكان ، فيلزم أن يكون كل ذات معينة مشخصة في الوجود أن تكون ممكنة لذاتها. وهذا يقتضي أن لا يحصل في الوجود موجود معين ، يكون هو في نفسه واجب الوجود ، وذلك محال.

الوجه الخامس : إنه لا معنى للتعين إلا أن هذا الشيء ليس هو ذلك الآخر. ومعلوم أن هذا المفهوم سلب محض. ولا يقال : الدليل على أن التعين مفهوم ثبوتي : هو أنا نبين أنه مفهوم زائد على أصل الماهية ، ثم نبين أن ذلك الزائد يجب أن يكون أمرا ثابتا.

أما الذي يدل على أنه مفهوم زائد على أصل الماهية وجوه :

الأول : إنه لو كان لا فرق بين السواد وبين هذا السواد [لكان متى حصل السواد فقد حصل هذا السواد] (٢) ومعلوم أن ذلك باطل فيثبت أن قولنا : هذا السواد قد اشتمل على قيد ، لم يحصل في قولنا : السواد.

[الثاني : إن قولنا : السواد (٣)] ماهية لا يمنع نفس مفهومها عند وقوع الشركة فيها [وقولنا : هذا السواد يمنع عن وقوع الشركة فيها] (٤) ولو لا التفاوت في الحقيقة ، وإلا لما حصل هذا التفاوت في هذا الحكم ، ولا شك أن

__________________

(١) من (س).

(٢) من (س).

(٣) من (س).

(٤) من (س).

١٣٠

المفهوم من السواد حاصل في المفهوم من قولنا : هذا السواد. فوجب أن يكون قولنا : هذا السواد قد اختص بقيد زائد على المفهوم من مجرد قولنا : السواد [وذلك هو المطلوب :

الثالث : إن بديهة العقل حاكمة بأن المفهوم من قولنا : هذا السواد] (١) مفهوم مركب من قولنا : هذا ، ومن قولنا : السواد. وحاكمة أيضا بأن المفهوم من قولنا : هذا مغاير للمفهوم من قولنا : السواد. وذلك يدل على أن تعين المتعينات أمر زائد على الماهية.

إذا ثبت هذا فنقول : هذا المفهوم الزائد : أمر ثبوتي. ويدل عليه وجهان :

الأول : إن هذا السواد من حيث إنه هذا السواد موجود. وقولنا : هذا ، جزء من مفهوم قولنا : هذا السواد. والمعدوم يمتنع أن يكون جزءا من الموجود ، فوجب أن يكون المفهوم من قولنا : هذا : موجودا.

والثاني : إن بتقدير أن يكون تعين هذا المتعين مفهوما عدميا ، فإنه لا يكون عبارة عن عدم أي شيء كان ، وإنما هو عبارة عن عدم تعين المتعين الآخر ، وذلك التعين الآخر إن كان عدما ، كان هذا التعين عدما للعدم. وعدم العدم ثبوت. فهذا التعين ثبوت. فيكون التعين الآخر ثبوتا ، ضرورة أن التعينات أفراد ماهية واحدة فيكون حكمها بأسرها حكما واحدا. وإن كان التعين الآخر ثبوتا وجب أن يكون هذا التعين أيضا ثبوتا لعين ما ذكرناه.

فثبت بهذه البيانات : أن تعين كل متعين : صفة موجودة زائدة على الذات ، وحينئذ ينتظم الدليل المذكور ، لأنا نقول : هذه الدلائل التي ذكرتم تفيد أن التعين صفة زائدة على الماهية (٢). والدلائل التي ذكرناها تفيد أن الأمر ليس كذلك ، فحصل التعارض ، وبقي الشك [ومع قيام هذا الشك] (٣) صار

__________________

(١) من (و ، س).

(٢) الذات (س).

(٣) من (س).

١٣١

الدليل المذكور في توحيد واجب الوجود مشكوكا ، لأن الموقوف على المشكوك مشكوك.

السؤال الثالث : سلمنا أن وجوب الوجود ، مفهوم ثابت ، وأن التعين مفهوم ثابت ، إلا أنا نقول : والكثرة التي التزمتموها لازمة على القول بوحدة واجب الوجود ، وإذا كان هذا المحذور لازما ، سواء قلنا بتوحيد واجب الوجود أم لم نقل به فحينئذ يسقط هذا الاستدلال.

وإنما قلنا : إنه لازم مع القول بتوحيد واجب الوجود لوجوه :

الأول : إن المبدأ الأول ليس عبارة عن محض وجوب الوجود ، الذي هو ماهية كلية [لا يمنع نفس مفهومها عن وقوع الشركة فيها. لأن الماهية الكلية (١)] لا وجود لها في الأعيان البتة بل الموجود في الأعيان ذات معينة موصوفة بكونها واجبة الوجود ، فيكون ذلك التعين زائد على ماهية وجوب الوجود ، وذلك التعين لا بد وأن يكون صفة ، فيكون ذلك التعين زائد على ماهية وجوب الوجود ، وذلك التعين لا بد وأن يكون صفة لواجب الوجود، والصفة مفتقرة إلى الموصوف ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته ، فذلك التعين ممكن لذاته ، وهو معلول بوجوب الوجود ، فيلزم أن تكون الذات المعينة مركبة من جزءين أحدهما ممكن لذاته. والذي يكون جزء ماهيته لذاته ، كان هو بالإمكان أولى ، فيلزم أن تكون تلك الذات المعينة ممكنة الوجود لذاتها ، فعلى هذا كل ما هو موجود في الأعيان فهو ممكن لذاته ، فينعكس انعكاس النقيض : إن كل ما لا يكون ممكنا لذاته ، فهو ليس بموجود في الأعيان. فيثبت : أن الإلزام الذي أوردتموه على القول بكثرة واجب الوجود لذاته هو بعينه قائم مع القول بوحدة واجب الوجود لذاته.

الثاني : وهو إن مدار كلامكم على أنه لو كان واجب الوجود أكثر من واحد ، لكان كل واحد منهما مركبا من الوجوب الذي به يشارك غيره ومن التعين الذي به يمتاز عن غيره، ثم إن كان الوجوب علة [لذلك التعين ، فكل

__________________

(١) من (و).

١٣٢

واجب الوجود هو ذلك التعين ، وإن كان ذلك التعين علة] (١) للوجوب يلزم أن يكون وجوب الوجود ، معلول شيء آخر. فنقول : هذا لازم عليكم مع القول بتوحيد واجب الوجود. وذلك [لأن الوجوب صفة عارضة لاتصاف الماهية بالوجود وذلك لأن الوجود والإمكان والامتناع] (٢) جهات ، وهي صفات للرابطة الحاصلة بين الموضوع والمحمول ، وإذا كان الأمر كذلك ، كان الوجوب على كل التقديرات صفة خارجة عن الماهية ، وكل صفة خارجة عن الماهية ، فهي ممكنة لذاتها معللة بالغير. فيثبت أن هذا المحذور لازم. سواء قلنا : إن واجب الوجود لذاته واحدا ، أو قلنا إنه أكثر من واحد.

الثالث : إنا نعلم بالضرورة أن من الماهيات ما يكون مستلزما لذاته ماهية أخرى ، مثل قولنا : إن الثلاثة مستلزمة للفردية ، وإن الأربعة مستلزمة للزوجية وكون الثلاثة مستلزمة للفردية أمر واجب لذاته [لا لغيره ، وكون الأربعة مستلزمة للزوجية أمر واجب لذاته] (٣) فهذه الوجوبات الذاتية أشياء كثيرة. فالواجب لذاته أكثر من الواحد.

فإن قالوا : هذه الوجوبات الذاتية ليست ذوات قائمة بأنفسها ، وإنما هي أحوال نسبية اعتبارية ، وكلا منا في أن الذوات القائمة بنفسها ، الواجبة الوجود لذاتها ، يجب أن تكون واحدة. فنقول في الجواب : أنتم بنيتم التقسيم الذي ذكرتموه في توحيد واجب الوجود لذاته على مفهوم الوجوب بالذات. والوجوب بالذات حاصل في هذه الاعتبارات ، لأنها من حيث هي هي ، أمور واجبة لذواتها ، ممتنعة التعيين لما هي هي ، فكان هذا وجوبا بالذات ، فكان هذا نقضا على ما ذكرتموه.

الرابع : إن كلامكم مبنى على أن كل مركب في ماهية ، فإنه يمتنع أن يكون واجبا لذاته. فنقول : إن هذا باطل لأن الوجوب على قسمين ، منه ما يكون وجوبا بالذات ، ومنه ما يكون وجوبا بالغير ، فالوجوب هو القدر المشترك

__________________

(١) من (س ، ط) وفي (س) فكل وفي (ط) وكل.

(٢) من (س).

(٣) من (و ، س).

١٣٣

وكونه بالذات هو الذي به يحصل الامتياز ، فالوجوب بالذات ، مركب من الجنس وهو مسمى الوجوب ، ومن الفصل وهو خصوص كونه بالذات ، [فيثبت : أن الوجوب بالذات] (١) ماهية مركبة من قيدين فإن كان كل مركب ممكنا ، لزم أن يكون الوجوب بالذات ممكنا بالذات [هذا خلف] (٢) فيكون أحد المعاندين عين الثاني ، وذلك باطل ، وإن لم يلزم فيما يكون متركبا لماهية ، كونه ممكنا. فحينئذ تبطل هذه المقدمة. [وهذا تمام الكلام عن الحجة الأولى] (٣).

وأما الحجة الثانية وهي قولكم : لو كان واجب الوجود أكثر من واحد ، لكان واجب الوجود ، إما أن يكون جنسا تحته أنواع ، أو نوعا تحته أشخاص. قلنا هذا الكلام إنما يلزم لو ثبت أن وجوب الوجود مفهوم ثبوتي داخل في الماهية ، حتى يقال : إنه بالنسبة إلى الأشياء الداخلة فيه ، يجب أن يكون جنسا بالنسبة إلى الأنواع أو نوعا بالنسبة إلى الأشخاص ، وقد بينا أنه مفهوم سلبى ، فيمتنع أن يكون داخلا في الماهية ، فيكون كونه مقولا على ما تحته ، ليس على قياس قول الجنس على أنواعه ولا على (٤) قياس قول النوع على أشخاصه. وتمام التقرير ما تقدم. [والله أعلم] (٥).

__________________

(١) من (و).

(٢) من (س).

(٣) من (و).

(٤) ولا على (س) وعلى (ط).

(٥) من (و).

١٣٤

الفصل الثاني

في

حكاية دلائل المتكلمين على أن الإله واحد

اعلم (١) : أنهم ذكروا أنواعا من الدلائل. أقواها دليل التمانع. فقالوا : لو قدرنا إلهين قادرين على جميع الممكنات ، ثم أراد أحدهما تحريك جسم ، وأراد الآخر تسكينه ، فإما أن يحصل المراد معا ، أو يحصل أحدهما دون الآخر. والأقسام الثلاثة باطلة ، فكان القول بوجود الإلهين باطلا. أما الحصر فظاهر ، وأما أنه يمتنع حصول المرادين معا ، فلأنه يلزم منه كون الجسم الواحد دفعة واحدة : متحركا وساكنا معا. وهو محال. وأما أنه يمتنع (٢) حصول المرادين معا ، فالدليل عليه : أن المانع من حصول مراد هذا ، ليس مجرد كون الثاني قادرا ، وإنما المانع من حصول مراد الأول هو حصول مراد الثاني ، والحكم لا يحصل إلا عند حصول العلة ، فامتناع مراد هذا ، معلل بحصول مراد ذاك ، وامتناع حصول مراد ذاك معلل بحصول مراد هذا ، فلو امتنع المرادان معا ، لزم حصول المرادين معا ، حتى يكون وجود كل واحد منهما مانعا من حصول الآخر ، فيثبت : أن امتناع كل واحد منهما ، يوجب حصول كل واحد منهما ، وما أفضى نفيه إلى ثبوته كان باطلا فالقول بامتناع المرادين معا ، وجب أن يكون باطلا. واعلم أنه لو ثبت أن الأعراض [غير (٣)] باقية ، حصل لنا

__________________

(١) التاسع عشر [الأصل] وفي (س) : على أن الإله واحد ، وفي (و) إله العالم.

(٢) يمتنع تعذر (و) يمتنع (س).

(٣) من (س).

١٣٥

في إبطال هذا القسم دليل آخر. وهو : أنه لو تعذر على كل واحد منهما تحصيل مراده ، لزم أن يبقى الجسم خاليا عن الحركة والسكون ، وذلك محال. أما إذا قلنا : الأعراض باقية ، لم يلزم منه محال البتة ، لأنه لما اندفع كل واحد منهما بالآخر ، بقي الجسم على ما كان عليه قبل ذلك ، فيبقى العرض الذي كان موجودا قبل ذلك. وأما أنه يمتنع حصول أحد المرادين دون الآخر فيدل عليه وجهان : الأول : إنه لما كان كل واحد منهما قادرا على ما لا نهاية له من الممكنات ، امتنع كون أحدهما أقوى قدرة من الثاني ، ولما كانا متساويين في كمال الاقتدار ، فلو رقع مراد أحدهما دون الثاني ، كان هذا قولا برجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وأنه باطل. والثاني : إنه إذا حصل مراد أحدهما دون الثاني ، فالذي لم يحصل مراده ، كان عاجزا ، والعاجز لا يكون إلها. فهذا تقرير هذا الدليل.

فإن قيل : هذا الدليل بناء على جواز أن يريد أحدهما شيئا ، ويريد الثاني ضده. فلم قلتم : إن هذا ممكن؟ وما الدليل عليه؟ لا يقال : الدليل عليه : أنه لو انفرد هذا بالإلهية صح منه إرادة الحركة ، ولو انفرد الثاني صح منه إرادة السكون ، فإذا اجتمعا ، فإما أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد ، أولا يبقيا على تلك الحالة [فإن بقيا على تلك الحالة (١)] فحينئذ يصح من هذا إرادة الحركة ، ومن الثاني إرادة السكون حال الاجتماع ، وهذا هو المطلوب.

وإن لم يكن بقيا حال الاجتماع على ما كانا عليه حال الانفراد ، فهذا باطل لوجوه :

الأول : إنهما لما كانا متساويين في كمال القدرة والإلهية ، لم يكن امتناع هذا عن الإرادة بسبب ذاك ، أولى من امتناع ذاك عن الإرادة بسبب هذا. فوجب أن يندفع كل واحد منهما بالآخر وذلك محال. لأن الموجب لاندفاع الجانب الأول حصول الجانب الثاني ، والموجب لاندفاع الثاني حصول الجانب الأول ، فلو اندفع الجانبان معا ، لزم الجانبين معا على ما ذكرناه في أول

__________________

(١) من (س).

١٣٦

الدليل. وكل شيء يفضى ثبوته إلى نفيه ، أو نفيه إلى ثبوته كان باطلا ، فوجب أن يكون هذا الكلام باطلا.

الثاني : وهو أن تعلق إرادة كل واحد منهما بذلك الفعل المعين ، حكم ثبت من الأزل ، والأزل لا يجوز زواله ، فوجب أن لا تبطل تلك الإرادة.

الثالث : إنه لما أراد هذا شيئا ، وأراد الثاني ضده. ثم عجزا عن تحصيل مراديهما ، عند الاجتماع. كان هذا العاجز أقوى ، والضعيف أكمل (١)

فهذا تمام الكلام في تقرير هذا المقام. لأنا نقول : مدار هذا الكلام على أن كل حكم يصح حصوله عند الانفراد ، وجب أن يبقى صحيحا ممكنا عند الاجتماع. فنقول : وهذا باطل بدليل : أن هذا عند الانفراد قادر على تحصيل مراده ، وذلك عند الانفراد أيضا قادر على تحصيل مراده ، وأما عند الاجتماع فلم يبقيا على هذه الحالة ، فيثبت أنه لا يلزم من حصول حكم حال الانفراد ، إمكان حصوله حال الاجتماع ، فظهر سقوط هذا الكلام.

السؤال الثاني : إن دل ما ذكرتم على أن حصول المخالفة بينهما جائز ، إلا أنه حصل عندنا وجوه دالة على امتناع ذلك.

فالوجه الأول : إن كل واحد منهما يجب أن يكون عالما بجميع المعلومات ، ومن المعلوم بالضرورة أنه لا بد وأن يكون الواقع أحد القسمين إما الحركة وإما السكون ، وإذا كان الأمر كذلك ، كان كل واحد من الإلهين عالما بأن الداخل في الوجود هو ذلك القسم ، والإرادة يجب أن تكون على وفق العلم ، لأن خلاف المعلوم محال الوقوع. وما كان محال الوقوع امتنع أن يكون مرادا ، مع العلم بكونه محال الوقوع ، وإذا كان كل واحد منهما عالما بأنه لا يقع إلا ذلك الشيء ، وثبت أن ذلك يوجب الاتحاد في الإرادة ، فحينئذ يظهر أن المخالفة بينهما في الإرادة ممتنعة.

__________________

(١) العبارة من (س) وفي (و) : براديهما [كان ذلك عجزا ، فلما صار الاجتماع مانعا لهما عن المخالفة في الإرادة] كان هذا العاجز أقوى والضعيف أكمل. وما بين القوسين من (و) ..

١٣٧

الوجه الثاني : وهو أنه إما أن يكون أحد الجانبين أرجح في كونه مصلحة من الجانب الآخر ، أو لا يكون. فإن كان أحد الجانبين أرجح كان كل واحد من الإلهين عالما بذلك الرجحان ، فوجب أن يكون كل واحد منهما مريدا لذلك الجانب.

وعلى هذا التقدير فإنه يمتنع اختلافهما في الإرادة ، وأما إن لم يكن أحد الجانبين أرجح ، فحينئذ يكون كل واحد منهما عالما بحصول المساواة في الطرفين ، والفعل بدون المرجح محال ، فحينئذ يكون كل واحد منهما عالما بأن الترجيح محال هاهنا. ومع هذا العلم يمتنع أن يريد ترجيحه. فيثبت أن على جميع التقديرات يمتنع أن يخالف أحد الإلهين الثاني في القصد والإرادة.

الثالث : إن علم كل واحد منهما بأنه لو حاول المخالفة لتعذر عليه تنفيذ مراده يمنعه من إرادة المخالفة. فهذه الوجوه الثلاثة دالة على امتناع حصول المخالفة بينهما.

السؤال الثالث : سلمنا صحة المخالفة بينهما إلا أن المحاولات المذكورة ، إنما تلزم من حصول المخالفة ، لا من مجرد إمكان حصول المخالفة. فهب إنكم دللتم على إمكان حصول المخالفة ، إلا أنكم ما لم تذكروا الدليل على حصول المخالفة لم يتم دليلكم.

السؤال الرابع : لم لا يجوز أن يتعذر على كل واحد منهما تحصيل [مراده؟ قوله : «المانع لكل واحد منهما عن تحصيل مراده ، هو حصول مراد الثاني ، فلو امتنع المرادان معا ، لوجب حصول (١) المرادين معا. وأنه باطل» قلنا : لم لا يجوز أن يقال : المانع لكل واحد منهما عن تحصيل مراده ، علمه بأنه لو حال تحصيل مراده ، يمنعه الآخر منه. فهذا العلم هو المانع فقط ، وحينئذ لا يلزم المحذور المذكور؟

السؤال الخامس : لم لا يجوز أن يقال : يقع مراد أحدهما دون الآخر؟

__________________

(١) من (و) وفي (و) المرادان معا ، وأنه.

١٣٨

قوله : «إن هذا يقتضي حصول الرجحان لا لمرجح ، وأنه باطل» قلنا : أليس أن العالم لما كان محدثا ، وجب الاعتراف بأنه تعالى خصص إحداثه بوقت معين دون سائر الأوقات من غير مخصص اختص به ذلك الوقت؟ فإذا جاز هذا ، فلم لا يجوز رجحان أحدهما على الآخر لا لمرجح؟ فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خصص إحداث العالم بالوقت المعين لأجل أن ذلك الوقت أقرب إلى إصلاح المكلفين؟ فنقول : الدليل على فساد هذا القسم ، أن نقول : جميع الأوقات إما أن تكون متساوية في جميع الأمور المعتبرة في الخلق ، وإما أن لا تكون متساوية.

فإذا كان الأول فالإشكال لازم ، وإن كان الثاني فنقول : اختصاص ذلك الوقت المعين بتلك الخاصية ، إما أن يكون لذاته ، أو لشيء من لوازم ذاته ، أو للفاعل المنفصل. فإذا كان الأول أو الثاني فقد جوزتم أن يكون للوقت المعين أثر في اقتضاء حصول تلك الخاصية ، وإذا عقل ذلك ، فلم لا يعقل أن يقال : إن ذلك الوقت هو الذي اقتضى حدوث العالم؟ وعلى هذا التقدير فإنه لا يمكن الاستدلال بحدوث العالم على إثبات الصانع، وإن كان الثالث عاد التقسيم المذكور في أن ذلك الفاعل [المباين ، لم (١)] خصص ذلك الوقت المعين بتلك الخاصية؟ فإن كان ذلك لأجل اختصاص ذلك الوقت بخاصية أخرى ، عاد التقسيم فيه ، ولزم التسلسل. وإن لم يكن لأجل اختصاص ذلك الوقت بشيء من الخواص ، فحينئذ قد جوزتم في الفاعل المختار أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر لمرجح ، فإذا جوزتم ذلك [فلم لا يجوز أيضا أن أحد الإلهين يقع مقدوره ، والإله الثاني لا يقع مقدوره (٢)] مع أنه لا يكون أحدهما مخصوصا بما لأجله حصل الرجحان؟ أما قوله ثانيا : «القديم العاجز محال» قلنا : لا نسلم. والدليل عليه هو : أن الإله تعالى كان موجودا في الأزل مع أنه ما كان قادرا البتة على الفعل في الأزل. لأن الفعل ما له أول. والأزل ما لا أول له. والجمع بينهما محال. والمحال لا قدرة عليه.

__________________

(١) من (و).

(٢) من (و).

١٣٩

فيثبت : أنه تعالى ما كان قادرا على الإيجاد والتكوين في الأزل البتة. وإذا كان هذا غير ممتنع ، فكيف يمتنع أن يعجز عن فعل واحد ، من وقت واحد؟

السؤال السادس : إن هذا التقسيم إن صح لزم أن لا يقدر العبد على الفعل أصلا ، وهذا محال [فذاك محال (١)] بيان الملازمة : وهو أن العبد لو كان قادرا على الإيجاد والتكوين ، فإذا اتفق أن الله أراد تحريك جسم ، وقصد العبد إلى تسكينه فإما أن يقع المرادان معا وهو محال [أولا يقع واحد منهما وهو أيضا محال (٢)] لعين ما ذكرتم من الدليل. وإما أن يقع أحدهما دون الثاني ، وهذا أيضا محال. وذلك لأنا وإن قلنا : إن الله تعالى [كان (٣)] قادرا على ما لا نهاية له ، وكان العبد لا يقدر إلا على المتناهي ، إلا أن قدرة الباري على تحريك الجوهر الواحد يمتنع أن تكون أقوى وأكمل من قدرة العبد على تسكين ذلك الجوهر لأن الجوهر الفرد لا يقبل القسمة (٤) فحركته وسكونه أيضا لا يقبل القسمة (٥) وإذا كانت هذه الحركة وهذا السكون غير قابلين للتفاوت والقسمة ، امتنع وقوع التفاوت في القدرة عليهما ، فالباري تعالى قادر على ما لا نهاية له من المقدورات والعبد لا قدرة له إلّا على المتناهي. إلا أن وقوع ذلك التفاوت في كيفية القدرة على ذلك المتناهي محال.

إذا ثبت هذا فنقول : لو وقع مراد الله تعالى دون مراد العبد مع أنا بينا أن القدرة عليها لا تقبل التفاوت أصلا ، فحينئذ يلزم رجحان الممكن لا لمرجح وهو محال. فيثبت : أن هذا التقسيم لو صح لوجب أن لا يكون العبد قادرا على الإيجاد والتكوين. وإنما قلنا : إن ذلك محال. وذلك لأن حسن المدح والذم [معلوم بالضرورة ثم علمنا أن من أحسن الذم والمدح (٦)] فرع على كون

__________________

(١) من (و ، س).

(٢) من (و).

(٣) زيادة.

(٤) القسمة (و ، س).

(٥) القسمة (س) الحركة (و).

(٦) من (و).

١٤٠