المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٢

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٢

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ١٥٤
  نسخة غير مصححة

العبد فاعلا وموحدا ، ومتى كان الفرع معلوما بالضرورة ، كان الأصل أيضا معلوما بالضرورة، فوجب أن يكون العلم بكون العبد موجدا علما ضروريا.

وهذه مقدمات لا بد من تقريرها.

أما المقدمة الأولى : وهي قولنا : إن العلم الضروري حاصل بحسن المدح والذم. فتقريره: أن كل من أحسن إلى إنسان ، وأوصل إليه نوعا من أنواع الخير ، فإن صريح عقله يحكم بحسن الشكر والمدح والثناء له ، وكل من آذاه وأوصل إليه نوعا من أنواع الضرر ، فإن صريح عقله يحمله على أن يقول : لم فعلت هذا؟ وبئس ما فعلت. والعلم بحسن هذا المدح والذم من أجلى العلوم الضرورية ، والمنازع فيه مكابر في أجلى العلوم البديهية.

وأما المقدمة الثانية : وهي في بيان أن العلم بحسن المدح والذم فرع على العلم بكونه فاعلا. فالدليل عليه : أن من رمى وجه إنسان بحجر حتى شجّه ، فإنه يجد من قبله ذمّ ذلك الرامي ، ولا يجد البتة ذم ذلك الحجر ولو قيل له : لم فرقت بينهما في هذا الحكم؟ فكل عاقل يفرق بينهما بقوله : إن الرامي فعل هذا الفعل باختياره ، فأستحق المدح والذم. وأما الحجر فلا قدرة له على الفعل البتة. فيثبت بما ذكرنا : أن صريح العقل حاكم بأن حسن المدح والذم فرع على العلم بكون الفاعل فاعلا.

وأما المقدمة الثالثة : وهي في بيان أن العلم بالفرع لما كان ضروريا ، وجب أيضا أن يكون العلم بالأصل ضروريا. فالدليل عليه : أن الأصل إذا لم يكن معلوما بالضرورة أمكن وقوع الشك فيه. وعند وقوع الشك في الأصل يلزم وقوع الشك في الفرع ، فيثبت : أن كون

الأصل نظريا ، يقتضي جواز وقوع الشك في الفرع ، ولما دللنا على أن وقوع الشك في هذا الفرع محال ، أعني العلم باستحقاق المدح والذم ، وجب أن يكون العلم بذلك الأصل ، أعني العلم بكون العبد موجدا غير قابل للشك. ومتى كان الأمر كذلك ، كان ذلك معلوما بالضرورة. فيثبت بما ذكرنا : أن التقسيم الذي ذكرتم لو صح ، لزم القدح في كون العبد موجدا لأفعال نفسه ، وثبت أن هذا باطل ، فوجب أن يكون ذلك التقسيم باطلا.

١٤١

السؤال الرابع : هب أن ما ذكرتم من الدليل يمنع من وجود إلهين يكون كل واحد منهما قادرا على [ما لا نهاية له من المقدورات ، إلا أنه لا يدل على امتناع وجود إلهين يكون كل واحد منهما قادرا على بعض المقدورات (١)] ولا يدل أيضا على وجود موجود آخر واجب الوجود لذاته ، بحيث لا يقدر على شيء البتة ، سواء كان حيا أو ميتا.

فهذا جملة الكلام في طرف السؤال.

والجواب عن السؤال الأول : إنا قد دللنا على أن كل واحد منهما لو انفرد ، فإنه يصح منه القصد إلى تكوين ذلك الضد ، وعند اجتماعهما ، وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد. قوله : «ينتقض هذا ، بما أن هذا وحده قادر على خلق الحركة ، وذاك وحده قادر على خلق السكون ، ثم إنهما عند الاجتماع لا يبقيان قادرين على تحصيل هذين المرادين» قلنا الدليل يقتضي بقاء كل واحد منهما قادرا عند الاجتماع على ما كان قادرا عليه حال الانفراد ، إلا أن ذلك محال ، لما أنه يقتضي الجمع بين الضدين فكان القول بوجود الإلهين مفضيا إلى أحد هذين المحالين ، وهو أن يتعذر عليهما حال الاجتماع ، ما كان مقدورا لهما حال الانفراد إلا أن ذلك محال ، لما أنه يقتضي الجمع بين الضدين. ولما كان القول. بوجود الإلهين مفضيا إلى أحد هذين المحالين وجب القطع بأن فرض وجود الإلهين محال. وهذا يؤكد الدليل المذكور ولا يوجب الطعن فيه. أما قوله في المعارضة الأولى : «إن كل واحد منهما عالم بجميع المعلومات ، فيكون كل واحد منهما عالما بأن أي الطرفين يقع ، وأيهما لا يقع؟ وإذا كان كذلك امتنع أن تريد ، إلا ذلك الواحد ، فيمتنع وقوع المخالفة بينهما» قلنا : العلم بالوقوع تبع للوقوع الذي هو تبع لإرادة الوقوع ، فلو جعلنا إرادة الوقوع تابعة للعلم بالوقوع ، لزم الدور ، وأنه باطل. أما قوله في المعارضة الثانية : «إن كل واحد منهما يكون عالما بأن الطرف الراجح في المصلحة أيهما؟ فوجب كونهما مريدين لذلك الطرف» قلنا : الفعل إما أن يتوقف على الداعي

__________________

(١) من (س).

١٤٢

أو لا يتوقف [على الداعي (١)] فإن توقف على الداعي ، توقف صدور الفعل منا على الداعي ، وتلك الداعية لم تحصل بنا وإلا لافتقرت إلى داعية أخرى ، ولزم التسلسل ، وهو محال. فعلى هذا أفعال العباد مستندة إلى دواعي يخلقها الله تعالى ، وتكون كل تلك الدواعي موجبات لهذه الأفعال ، فالقاصد إلى تكوين السبب الموجب ، قاصد إلى تكوين المسبب ، فيلزم أن تكون أفعال العباد بأسرها واقعة بتكوين الله تعالى. وإذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ لا تتوقف فاعلية الله تعالى على رعاية المصالح ، بل قد يقع ما يكون على خلاف رعاية المصالح ، وإذا كان الأمر كذلك ، لم يلزم من الإيجاد في وجه المصلحة : المساواة في الإرادة ، والفعل. وأما إن لم يتوقف الفعل على الدواعي فعند استواء التحريك والتسكين في جميع جهات المصالح والمفاسد ، لا يمتنع وقوع أن يحاول أحدهما التحريك ويحاول الآخر التسكين. وعند وقوع هذا التقدير تحصل المخالفة في القصد والتكوين ويتم الدليل المذكور. أما قوله في المعارضة الثالثة : «إن علم كل واحد منهما بما أنه لو حاول مخالفة الثاني لتعذر عليه تحصيل مراده بمنعه من المخالفة» فنقول : هذا إشارة إلى المنع من الإقدام على المخالفة. وفيه تسليم أنه لو لا هذا المانع ، لكانت المخالفة ممكنة.

وأما قوله في السؤال الثالث : «إن هذه المحاولات إنما لزمت من وقوع المخالفة ، لا من إمكان (٢)» حصول المخالفة. فما الدليل على وقوع المخالفة»؟ فنقول في الجواب : هاهنا مقدمة يقينية وهي أن كل ما كان ممكنا ، فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محال ، إذ لو لزم من فرض وقوعه محال ، لوجب أن يكون محال الوقوع ، مع أنا قد فرضناه ممكن الوقوع ، وهذا يفضي إلى الجمع بين النقيضين وهو محال. فيثبت : أن كل ما كان ممكنا فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محال البتة. إذا عرفت هذا. فنقول : إنا إذا فرضنا وجود الإلهين ، وفرضنا حصول هذه المخالفة بعد أن أقمنا الدلالة على أن هذه المخالفة ليست ممتنعة لذاتها وعينها ، ثم رأينا أن المحاولات قد لزمت. فنقول : هذه

__________________

(١) من (س).

(٢) إنكار (و) إمكان (س).

١٤٣

المحاولات ما لزمت من فرضنا وقوع المخالفة لأنا بينا أن فرض الممكن موجودا ، لا يلزم منه محال البتة. فعلمنا أن هذه المحاولات إنما لزمت من فرض وجود الإلهين ، وما يلزم من فرض وجوده المحال ، يكون محالا. فعلمنا بهذا الطريق : أن وجود الإلهين محال. أما قوله : «لم لا يجوز وقوع مراد أحدهما دون الثاني»؟ قلنا : لأنه يقتضي وقوع أحد الجائزين من غير مرجح وقوعا على سبيل الوجوب ، وأنه محال.

وقوله : «أليس أن القادر قد يرجح أحد الجانبين (١) على الآخر لا لمرجح؟ فلم لا يجوز مثله هاهنا»؟ قلنا : الذين يقولون بجواز ذلك ، قالوا : إن ذلك إنما يجوز بشرط أن يصح منه فعل ضده. وهاهنا لا يصح منه ذلك. فيكون ذلك قدحا في كون القادر قادرا. أما قوله : «إن هذا التقسيم يقدح في كون العبد موجدا لفعل نفسه» فنقول : هذا السؤال يتعلق بمسألة الجبر والقدر. والكلام المستقصى فيه سيأتي إن شاء الله. أما قوله : «إن هذا الدليل [لا يدل (٢)] على امتناع وجود [الإلهين. اللذين يكون كل واحد منهما قادرا على بعض المقدورات دون البعض ، ولا يدل على وجود (٣)] موجود ثان ، لا يقدر على شيء أصلا ، سواء قيل : إنه حي ، أو ليس بحي» قلنا : مقصودنا من هذا الدليل ليس إلا بيان امتناع القول بوجود آلهين كاملي القدرة فقط. [والله أعلم (٤)].

الحجة الثانية في إثبات أن إله العالم واحد بناء على أصول المتكلمين : أن نقول : لو قدرنا وجود إلهين ، قادرين على جميع الممكنات ، لزم القطع بكون كل واحد منهما قادرا على عين مقدور الآخر. وهذا محال. فالقول بوجود الإلهين محال. أما الشرطية فظاهرة ، وأما أن هذه الملازمة ممتنعة. فتقريره : أنه لما كان كل واحد منهما [قادرا (٥)] على جميع الممكنات ، فكل ما كان مقدورا لهذا ،

__________________

(١) المقدورين (س).

(٢) من (س).

(٣) من (س).

(٤) من (س).

(٥) من (و).

١٤٤

فهو بعينه مقدور لذاك. وإن وقع ذلك المقدور ، فإما أن يقع بهما معا ، وإما أن يقع [بواحد منهما ، واما أن يقع (١)] بأحدهما دون الثاني. والأقسام الثلاثة باطلة ، فالقول بوجود الإلهين باطل. إنما قلنا : إنه يمتنع وقوعه بهما معا. وذلك لأن هذا القادر لما كان مستقلا بالإيقاع وصار ذلك الفعل مع هذا الفاعل واجب الوقوع به ، ووجوب وقوعه به يمنعه من الاستناد إلى الثاني ، ووجوب وقوعه بالثاني يمنعه من الاستناد إلى الأول. فإذا اجتمعا عليه ، لزم أن يكون وجوب وقوعه بكل واحد منهما مانعا من وقوعه بالثاني ، فيلزم أن يكون واقعا بهما ، حال ما يمتنع كونه واقعا بكل واحد منهما [وذلك يوجب الجمع بين النقيضين ، وهو محال. وإنما قلنا : إنه يمتنع أن لا يقع بواحد منهما (٢)] لأن المانع من وقوعه بهذا ليس إلا وقوعه بذاك وبالضد. والأثر لا يوجد إلا عند حصول المؤثر ، فلو امتنع بهما معا ، لزم أن يقع بكل واحد منهما حتى يكون وقوعه بهذا مانعا من وقوعه بذاك وبالضد. وحينئذ يلزم أن يكون واقعا بكل واحد منهما. فالحاصل : أن في القسم الأول : وقوعه بكل واحد منهما ، يمنع من وقوعه بهما. وفي الثاني عدم وقوعه بهما [يقتضي وقوعه بهما (٣)] من حيث أن الأثر لا يوجد إلا عند حصول المؤثر ، والمؤثر في امتناع وقوعه بكل واحد منهما هو وقوعه بالآخر. وإنما يمتنع وقوعه بأحدهما دون الثاني ، لأنهما لما استويا في التأثير وفي القوة ، كان وقوعه ، بأحدهما دون الآخر رجحانا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وهو محال.

وأعلم. أن الفرق بين هذه الطريقة وبين الطريقة المتقدمة : هو أنا في هذه الطريقة تكلمنا فيما إذا اجتمعا على إيجاد مقدور واحد ، وفي الطريقة الأولى تكلمنا فيما إذا أراد كل واحد منهما أحد الضدين ، دون إرادة (٤) الآخر.

الحجة الثالثة في المسألة : قالوا : لو قدرنا إلهين عالمين ، بكل

__________________

(١) من (و).

(٢) من (و).

(٣) من (س).

(٤) إرادة (س).

١٤٥

المعلومات ، فحينئذ يكون علم كل واحد منهما متعلقا بعين ما تعلق به علم الثاني ، وكل علمين تعلقا بمعلوم واحد على وجه واحد فهما مثلان ، فيلزم أن يكون علم كل واحد منهما مثلا لعلم الآخر ، وكل ما صح على الشيء ، صح على مثله ، فكما صح على هذا العلم أن يكون قائما بهذه الذات ، فكذلك وجب أن يصح على العلم القائم بالثاني ، أن يكون قائما بالأول ، فيثبت أن كل واحد من هذين العلمين ، يصح قيامه بكل واحد منهما بدلا عن الآخر.

وإذا كان الأمر كذلك كان اختصاص هذه الذات بهذا العلم دون الذات الأخرى وجب أن يكون بتخصيص [مخصص (١)] وجعل جاعل ، وكل ما حصل بالفاعل الجاعل ، كان حادثا ، فلزم أن يكون علم الله محدثا ، وأن تكون قدرته محدثة ، وكل ما كان كذلك امتنع كونه إلها. فيثبت : أن القول بوجود الإلهين يفضي إلى هذه المحالات ، فوجب أن يكون محالا. وفي تقرير هذه الحجة وتزييفها أبحاث كثيرة غامضة.

الحجة الرابعة : قالوا : لو فرضنا إلهين ، لامتنع أن يمتاز أحدهما عن الآخر بالزمان ، لأنهما قديمان ، وبالمكان لما ثبت أن الإله يجب أن يكون منزها عن الحجمية والمكان ، وإذا لم يحصل الامتياز بينهما ، وجب أن لا يبقى التعدد وقيل عليه : لم لا يجوز أن يتميز أحدهما على الآخر بالماهية والحقيقة؟ ألا ترى أنه إذا حلّ في الجوهر الواحد علم وقدرة ، فإنه لم يحصل الامتياز بينهما لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالمحل ، ولكن حصل الامتياز بينهما بالماهية والحقيقة. فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك؟ وأجيب عنه : بأنه لو وجد إلهان لامتنع أن يمتاز أحدهما عن الآخر بالزمان لأنهما قديمان وبالمكان لأنهما من الصفات ، وإما أن لا يكون كذلك. فإن حصل الامتياز بينهما بأمر من الأمور ، فذاك الأمر إما أن يكون معتبرا في تحقق الإلهية ، وإما أن لا يكون كذلك ، فإن كان ذلك الأمر معتبرا في الإلهية [فالذي لم يحصل له ذلك الأمر ، وجب أن لا

__________________

(١) من (س).

١٤٦

يكون إلها ، وإن لم يكن معتبرا في الإلهية (١)] كان حصول الإله بدون تلك الصفة جائزا. فإن فرضناهما حاصلين بدون تلك الصفة ، وجب أن لا يحصل الامتياز بينهما أصلا. فيثبت: أنا لو فرضنا إلهين ، وجب أن لا يحصل الامتياز بينهما بأمر من الأمور البتة ، وإذا لم يحصل الامتياز البتة ، لم يحصل التعدد البتة ، فيثبت : أن القول بالتعدد : محال.

الحجة الخامسة : إن وجود الإله الواحد كافي في حصول تدبير العالم. وأما الزائد عليه فهو غير معلوم بالضرورة ولا بالنظر ، فلا يجوز إثباته. أما أنه غير معلوم بالضرورة [فظاهر. وأما أنه غير معلوم بالنظر (٢)] فلأن الدليل الدال على وجود الصانع هو هذا العالم ، إما بحسب جوازه ، أو بحسب حدوثه. وعلى التقديرين فالصانع الواحد كافي. فيثبت : أن الصانع الثاني لم يعلم وجوده لا بالضرورة ولا بالنظر البتة. وإذا كان كذلك ، امتنع إثباته. فوجب الاقتصار على القول بالإله الواحد.

وهاهنا آخر الكلام في حكاية دلائل القائلين بالتوحيد.

أما القائلون بالتثنية فقد تعلقوا بأشياء.

الحجة الأولى : قالوا : وجدنا في هذا العالم خيرا ، وشرا ، ونفعا وضرا ولذة وألما ، وصحة وسقما ومرارا ومكروها. ومعلوم أن فاعل الخير خير ، وفاعل الشر شرير. والفاعل الواحد يمتنع أن يكون خيّرا وشريرا معا. وأن يكون ممدوحا ومذموما معا. فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما خيرا ممدوحا ، ويكون الثاني شريرا مذموما.

الحجة الثانية : إن المفهوم من قولنا : واجب الوجود لذاته ، أمر لا يمتنع مفهومه من كونه مقولا على كثيرين. إذ لو كان نفس هذا المفهوم مانعا من هذه الكثرة ، لكان من تصور معنى واجب الوجود لذاته ، وجب أن يعلم ببديهة العقل ، أنه يمتنع كون هذا المفهوم مشتركا فيه بين كثيرين ، ولما لم يكن الأمر

__________________

(١) من (و).

(٢) من (و).

١٤٧

كذلك ، علمنا أن نفس تصور هذا المعنى غير مانع من الشركة.

إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يقال : قارنه مفهوم آخر ، يمنع من هذه الشركة ، أو لم يقارنه ذلك. والأول باطل لأن ذلك المقارن إما أن يكون ماهية من الماهيات أو لا يكون كذلك. فإن كان الأول فتلك الماهية من حيث انها ماهية تكون محتملة للشركة. فإذا قيدنا ماهية وجوب الوجود بهذه الماهية الثانية ، كان الحاصل [أيضا ماهية كلية لأن الكلي إذا تقيد بالكلي ، كان الحاصل (١)] منهما كليا أيضا. والكلي لا يمنع من احتمال الشركة. وأما إن قلنا : إن هذا المقارن ليس له ماهية ولا حقيقة أصلا ، امتنع كونه مقارنا لشيء آخر.

هذا إذا قلنا : إن مفهوم وجوب الوجود بالذات قارنه ما صار مانعا من الشركة ، وأما إذا لم يقارنه شيء أصلا. فنقول : تلك الماهية كانت محتملة للشركة ، ولم يقارنه ما يمنع من هذه الشركة ، وهذا يقتضي أن تكون هذه الشركة غير ممتنعة أصلا ، وإذا لم تكن ممتنعة ، فهي إما ممكنة بالإمكان الخاص ، فحينئذ [لا يكون شيء منها واجب الوجود لذاته ، فحينئذ (٢)] لا تكون الكثرة واقعة في الأشياء التي يكون كل واحد منها واجب الوجود لذاته، قد فرضنا أن الأمر كذلك. هذا خلف. وإذا بطل كون تلك الأشياء ممكنة بالإمكان الخاص ثبت كونها واجبة الوجود لذواتها. وهذا يقتضي وجود أشياء يكون كل واحد منها واجب الوجود لذاته.

الحجة الثالثة : إن أقل مرتبة من مراتب الوجود وأشدها نقصانا هو الواحد ، فلو كان واجب الوجود لذاته ليس إلا الواحد ، لوجب أن يكون في نهاية القلة والنقص ، وذلك محال.

والجواب عن الشبهة الأولى : أن نقول : الإله الخير إن لم يقدر على دفع الشرير عن الشر ، فهو ناقص حقير ، ولا يصلح للإلهية ، وإن كان قادرا

__________________

(١) من (و).

(٢) من (و).

١٤٨

عليه. فإن فعله فقد اندفع الشرير وظهر عجزه ، فلا يصلح للإلهية ، وإن لم يدفعه عن الشر مع كونه قادرا على ذلك الدفع ، فحينئذ يكون الإله الخيّر ، راضيا بفعل الشر. والراضي بفعل الشر شرير ، فيلزم أن يكون الإله الخيّر شريرا. وذلك محال. فيثبت : أن القول بالاثنين باطل على كل التقديرات.

والجواب عن الشبهة الثانية : لم لا يجوز أن يقال : ماهية واجب الوجود بالذات اقتضى ذلك التعين بعينه ، فلا جرم كان واجب الوجود ، يجب أن يكون ذلك المعين ولهذا السبب كان واجب الوجود لذاته واحد؟.

والجواب عن الشبهة الثالثة : إنه لو كان كل الإنسان إلا الواحد ، فحينئذ يكون تمام ماهية الإنسان محصورة في ذلك الشخص ، أما إذا كانت الإنسانية مشتركا فيها بين أشخاص كثيرين ، لم يكن تمام هذه الماهية ، موجودا في شخص واحد ، ومن المعلوم بالضرورة أن الأول أكمل [والله أعلم (١)]

__________________

(١) من (و).

١٤٩

الفصل الثالث

في

أن وحدة الله تعالى هل هي عين الذات

أو صفة قائمة بالذات؟

لقائل (١) أن يقول : لو كانت الوحدة صفة ، لكانت تلك الصفة واحدة ، فيلزم أن يكون للوحدة وحدة أخرى إلى غير النهاية. وأنه محال.

ولقائل آخر أن يقول : الوحدة لا بد وأن تكون صفة زائدة على الذات. ويدل عليه وجوه :

الأول : إنه يصح تقسيم الواحد إلى الواجب لذاته ، وإلى الممكن لذاته. فيقال : الواحد إما أن يكون واجبا لذاته ، أو ممكنا لذاته ، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فكونه واحدا مشترك فيه [بين الواجب لذاته وبين الممكن لذاته ، وخصوص كونه واجبا لذاته غير مشترك فيه (٢)] بين القسمين ، وهذا يدل على أن كونه واحدا ، مغاير لخصوص كونه واجب الوجود لذاته.

والثاني : إن الواحد يقابل الكثير ، والواجب لذاته يقابل ما ليس واجبا لذاته ، وما يصلح لأن يكون مقابلا لأحدهما ، لا يصلح أن يكون مقابلا للثاني ، وهذا يوجب أن يكون كونه واحدا ، مغايرا لكونه واجب الوجود لذاته.

__________________

(١) العشرون [الأصل].

(٢) من (و ، س).

١٥٠

والثالث : إنا نعقل كونه واحدا مع الشك في أن ذلك الواحد واجب لذاته ، أو ممكن لذاته. وكذلك قد نعقل ماهية الواجب لذاته ، مع الشك في أنه واحد أو كثير. والمعلوم مغاير لغير المعلوم ، فوجب أن يكون كونه واحدا مغايرا لكونه واجب الوجود لذاته.

والرابع : إن الواحد قد يصدق حمله على الممكن لذاته ، والواجب بالذات البتة لا يصدق حمله على الممكن. فالواحد مغاير في الماهية للواجب بالذات.

ثم نقول : المفهوم من كونه واحدا ليس سلبيا. والدليل عليه : أنه لو كان سلبيا لكان سلبا للعدد. والعدد عبارة عن مجموع وحدات ، فالوحدة إن كانت عدما ، كان العدد عبارة عن مجموع عدمات ، فيكون العدد مفهوما عدميا. فإذا كانت الوحدة عبارة عن سلب العدد وكان العدد مفهوما عدميا كانت الوحدة عبارة عن عدم العدم. فوجب كونها صفة وجودية وأما إن كانت الوحدة عبارة عن مفهوم وجودي ، فذلك هو المطلوب. فيثبت : ان الوحدة صفة وجودية زائدة على كونه واجب الوجود لذاته. وهاهنا آخر الكلام في المباحث المتعلقة بالتنزيه. [والحمد لله حق حمده.

قال الداعي. رحمه‌الله عليه :

وقد تم هذا الكتاب ب «جرجانية خوارزم» في النصف الأخير ، من ربيع الأول ، سنة خمس وستمائة.

وقد تمت نسختنا هذه ليلة الخميس ، بعد انقضاء أعظم ليل ، الحادي عشر من جمادي الأولى ، سنة ست وثلاث وستمائة. والحمد لله رب العالمين ، وصلواته على سيدنا محمد ، النبي الأمى ، وعلى آله أجمعين (١)]

* * *

تم الجزء الثاني من «المطالب العالية من العلم الإلهي» للامام فخر الدين الرازي. ويليه الجزء الثالث. وموضوعه في : «الصفات الإيجابية» وهي كونه سبحانه وتعالى : قادرا عالما. حيا. سميعا. بصيرا. متكلما. باقيا.

__________________

(١) من (و).

١٥١

الفهرس

تمهيد........................................................................... ٣

القسم الأوّل

في بيان كونه سبحانه وتعالى منزّها عن التّحيّز والجهة.................................. ٥

الفصل الأول :

في بيان أن اثبات موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم : ليس بممتنع الوجود في بديهة العقل ٧

الفصل الثاني :

في بيان أنه لا يجب أن يكون لكل موجود نظير وشبيه. وانه ليس يلزم من نفي النظير والشبيه نفي ذلك الشيء         ٢١

الفصل الثالث :

في إقامة الدلائل على أنه تعالى يمتنع أن يكون جسما............................... ٢٣

الفصل الرابع :

في إقامة الدلائل على أنه يمتنع كونه جوهرا......................................... ٣٣

الفصل الخامس :

في بيان أنه يمتنع أن يكون واجب الوجود مختصا بمكان وحيّز......................... ٣٥

١٥٢

الفصل السادس :

في حكاية شبهات مثبتي الجسمية والمكان.......................................... ٥٥

الفصل السابع :

في الجواب عن تلك الشبهات.................................................... ٦٢

الفصل الثامن :

في بيان أنه يمتنع أن يكون إله العالم هو هذا الفضاء الذي لا نهاية له.................. ٧٢

الفصل التاسع :

في تفسير قولنا : إن الإله تعالى غير متناهي........................................ ٧٥

الفصل العاشر :

في أنه هل يصح أن نرى واجب الوجود لذاته؟..................................... ٧٩

الفصل الحادي عشر :

في أنا في هذه الحياة هل نعرف ذات الله تعالى من حيث إنها هي : أعني : تلك الحقيقة المخصوصة. وبتقدير أن لا نعرفها. فهل يمكن حصول تلك المعرفة لأحد من الخلق ، أو لكلهم. أم لا؟............................. ٨٦

الفصل الثاني عشر :

في تنزيه ذات الله تعالى عن الكيفيات.............................................. ٩٧

الفصل الثالث عشر:

في إثبات أنه يمتنع كونه تعالى حالا في غيره......................................... ٩٩

الفصل الرابع عشر :

في نفي الاتحاد................................................................ ١٠٢

الفصل الخامس عشر :

في بيان أنه يمتنع كونه تعالى محلّا لغيره........................................... ١٠٤

الفصل السادس عشر :

في بيان أن الألم واللذة محالان على الله تعالى...................................... ١١٠

١٥٣

الفصل السابع عشر :

في أنه هل يصح إطلاقه لفظ الجوهر على اللّه تعالى أم لا؟......................... ١١٣

القسم الثاني :

في بيان أنّه سبحانه وتعالى منزّه عن الضّدّ والنّدّ................................... ١١٥

الفصل الأول :

في أن واجب الوجود لذاته ليس إلّا الواحد....................................... ١١٧

الفصل الثاني :

في حكاية دلائل المتكلمين على أن الإله واحد.................................... ١٣٣

الفصل الثالث :

في أن وحدة الله تعالى هل هي عين الذات أو صفة قائمة بالذات؟................... ١٤٨

١٥٤