🚘

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٨

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٨

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٠١
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

القسم الأول

من كتاب النبوات

في

تقرير القول بالنبوة

عن طريق المعجزات

٥
٦

الفصل الاول

في

شرح مذاهب الناس في هذا الباب

اعلم (١) أن منكري النبوات فرق :

الفرقة الأولى : الذين قالوا : إله العالم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار. فإن كل من أنكر كونه تعالى فاعلا مختارا ، وأنكر كونه عالما بالجزئيات. فقد انسد عليه باب إثبات النبوات و [هذه الطريقة (٢)] هي طريقة الفلاسفة.

والفرقة الثانية : الذين سلّموا أن إله العالم فاعل مختار ولكنهم أنكروا الأمر والنهي والتكليف. قالوا : وإذ ثبت هذا ، فقد بطل القول بالنبوة. لأن الأنبياء عليهم‌السلام إنما جاءوا بتقرير التكاليف. ولما كان القول بالتكليف عندهم باطلا ، فقد بطل الأصل [وعند بطلان الأصل (٣)] يكون الفرع أولى بالبطلان.

والفرقة الثالثة : الذين سلموا أن إله العالم أمر عباده بأشياء ، ونهاهم عن

__________________

(١) نص (ت) : الكتاب الثامن من كتاب المطالب العالية في النبوات ، وما يتعلق بها. والكلام فيه مرتب على أقسام. القسم الأول وفيه فصول. الفصل الأول في مذاهب الناس. اعلم أن ... الخ. ونص (ط) : وعليه التكلان. الكتاب الثامن من كتاب المطالب العالية في النبوات وما يتعلق بها ... الخ. ونص (ل) : الكتاب الثامن من إلهيات المطالب العالية ... الخ.

(٢) من (ط).

(٣) سقط (ت).

٧

أشياء إلا انهم قالوا : العقول وحدها كافية في معرفة تلك التكاليف. فلم يكن في بعثة الأنبياء عليهم‌السلام فائدة.

الفرقة الرابعة : الذين قالوا : لا طريق لنا إلى معرفة نبوة الأنبياء ، إلا بواسطة المعجزات ، والمعجزات لا دلالة فيها البتة على صدق الأنبياء ، وإذا لم يوجد شيء يدل على النبوة إلا المعجز ، وثبت أن المعجز لا يدل البتة على صدق النبي ، فحينئذ يلزم فساد القول بالنبوة.

ثم إن القائلين (١) بهذا القول ذكروا في الطعن في المعجزات وجوها كثيرة.

فالفرقة الأولى (٢) : الذين أنكروا وجود المعجزات ، قالوا : خرق العادات ممتنع في العقول [والفرقة الثانية الذين سلموا إمكان انخراق العادات ؛ إلا أنهم قالوا : لم يوجد دليل يدل على أن الفاعل لتلك الأفعال الخارقة للعادات ، هو الله سبحانه. والفرقة (٣)] الثالثة الذين قالوا : هب أن الدليل دل على أن فاعل تلك الخوارق هو الله تعالى ، إلا أنها ـ مع تسليم هذا الأصل ـ لا تدل على صدق المدعي للرسالة. والفرقة الرابعة الذين قالوا : هب أن المعجز يدل على أن الله تعالى صدق ذلك المدعي في دعواه ، لكن تصديق الله إياه في دعواه. لا يدل على كونه صادقا ، بدليل : أن القول بالجبر حق ، ومتى كان كذلك [وجب القطع بأن فاعل القبائح بأسرها هو الله ، ومتى كان كذلك (٤)] امتنع أن يقال : إن الفعل الفلاني : قبيح ، فيمتنع من الله تعالى فعله ، وإذا كان كذلك ، لم يقبح من الله تعالى : تصديق الكاذب.

والفرقة الخامسة من الطاعنين في المعجزات : الذين قالوا : هب أن المعجزات تدل على صدق المدعي ، إلا أنا ما شاهدنا ظهور تلك المعجزات ، وإنما الغاية القصوى : أن الناس أخبروا : أنها وقعت في الأزمنة الماضية ، إلا

__________________

(١) القائل (ت).

(٢) سقط (ت) وكان على المؤلف أن يعبر بالطائفة ، لأنه يذكر طوائف الفرقة الرابعة.

(٣) من (ل) ، (طا).

(٤) من (ل) ، (طا).

٨

أن الخبر لا يفيد العلم اليقيني. وإنما القدر الممكن فيه : حصول الظن. لأن هذه المسألة مسألة يقينية. فبناء إثباتها على الطريق الذي لا يفيد إلا الظن : يكون باطلا فاسدا. فهذه الفرق الخمس هم الذين يطعنون (١) في النبوات ، بواسطة الطعن في المعجزات.

وأما الفرقة الخامسة من الطاعنين في النبوات : الذين قالوا : إنه نقل عنهم أحوال لا يليق بالمحققين الاشتغال بها ، وذلك يوجب الطعن في كونهم رسلا من عند الله تعالى.

والفرقة السادسة : الذين قالوا : لو أراد الله تعالى إرسال الرسل ، لكان يجب أن يكون رسولا من الملائكة ، وأن يظهر عليه معجزات قاهرة متوالية. وهذا القول حكاه الله تعالى في القرآن مرارا متوالية كثيرة.

فهذا هو الإشارة إلى ضبط فرق المنكرين للنبوات. أما الكلام في أن إله العالم فاعل مختار ، لا موجب بالذات. فقد سبق على الاستقصاء. فلا فائدة في الإعادة.

وأما سائر المذاهب فإنا نعقد في كل واحد منها فصلا [مفردا. والله أعلم (٢)]

__________________

(١) يطعنون على الطريق الذي لا يفيد إلا الظن في النبوات بواسطة الطعن في المعجزات :

(ت ، ط).

(٢) من (ل) ، (طا).

٩
١٠

الفصل الثاني

في

حكاية شبهات من أنكر

النبوات بناء على نفي التكليف

اعلم أن المنكرين للتكليف فريقان :

منهم من يبني هذا الإنكار على القول بالجبر ، ومنهم من ينكر التكليف لا بالبناء على الجبر بل على طرق أخرى.

الفريق الأول : الذين بنوا إنكار التكليف على الجبر ، فهؤلاء قالوا : القول بالجبر حق ، فالقول بإنكار التكليف حق ، فالقول بإنكار النبوة حق. فهذه مقدمات ثلاث :

المقدمة الأولى : في بيان أن القول بالجبر حق :

اعلم أن الكلام في تقريره سيأتي بالاستقصاء في كتاب (١) مفرد إلا أنا نذكر الآن وجوها على سبيل الإيجاز :

فالوجه الأول : إن المتمكن من الفعل ، إما أن يكون متمكنا من تركه أولا يكون. فإن كان المتمكن من الفعل ، متمكنا من تركه. فرجحان جانب الفعل على جانب الترك ، إما أن يتوقف على مرجح ، أولا يتوقف. فإن توقف

__________________

(١) فصل : (ت) كتاب : (ط) و (ل) وهذا يدل على أن كتاب «الجبر والقدر» من أجزاء «المطالب العالية من العلم الإلهي» وترتيبه يكون بعد الجزء الثامن الذي موضوعه «النبوات وما يتعلق بها» لأنه عبر بقوله «سيأتي».

١١

على مرجح ، فذلك المرجح إن كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه ، وإن كان من غيره ، فحينئذ يلزم الجبر ، وأما إن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح ، أو يقال : إنه ترجح جانب الفعل على جانب الترك ، لا لمرجح أصلا. فهذا باطل لوجهين :

الأول : إنه يقتضي رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وذلك يمنع من الاستدلال بحدوث المحدثات ، وبإمكان الممكنات على وجود الصانع. وإذا بطل القول بالصانع ، كان بطلان القول بالتكليف وبالنبوات ألزم.

الثاني : إن على هذا التقدير يكون رجحان جانب الفعل على جانب الترك : محض الاتفاق. وما يكون كذلك ، لم يكن الوقوع به ، أولى من الترك به. بل إن اتفق وقوعه ، فقد وقع. شاء ذلك الفاعل : ذلك الفعل ، أو أبى وإن لم يتفق وقوعه لم يقع ، شاء ذلك الفاعل : ذلك الفعل أو أبى. وهذا هو محض الجبر. فيثبت : أن رجحان أحد الطرفين على الآخر ، إن توقف على المرجح ، فالقول بالجبر لازم. وإن لم يتوقف ، فالقول بالجبر ألزم. فيثبت : أن القول بالجبر لازم على كل التقديرات. هذا إذا قلنا : إن المتمكن من الفعل [متمكن أيضا من الترك. وأما القسم الثاني وهو أن يقال : المتمكن من الفعل غير متمكن من الترك (١)] فههنا الجبر أظهر وألزم. فيثبت : أن القول بالجبر لازم على كل الأقسام.

الحجة الثانية : إن القادر على الفعل ، لا قدرة له على الترك البتة. وإذا كان الأمر كذلك ، كانت القدرة موجبة للفعل ، فكان الجبر لازما. وإنما قلنا : إن القادر على الفعل ، لا قدرة له على الترك : لأن الترك عبارة عن البقاء على العدم الأصلي. والعدم لا يصلح أن يكون مقدورا للقادر ، لأن القدرة

__________________

(١) من (ل) وعبارة (ت) : إذا قلنا : إن المتمكن من الفعل سهك من الترك ، فههنا الجبر ... الخ وعبارة (٢) : إذا قلنا : إن المتمكن من الفعل غير متمكن من الترك ، وأما إن قلنا : إنه متمكن من الترك فههنا الجبر ... الخ.

١٢

صفة مؤثرة والعدم نفي محض [وعدم صرف (١)] فيمتنع جعله أثرا للقدرة ، ولأن الشيء حال بقائه ، يمتنع كونه واقعا بالغير ، وإلا لزم تحصيل الحاصل ، وهو محال (٢) [فقد حصل في العدم الباقي وجهان كل واحد منهما يمنع من كونه مقدورا. وذلك محال] وإذا كان كذلك يثبت : أن الترك يمتنع أن يكون مقدورا. فيثبت أن القادر على الفعل ، لا قدرة له على الترك. وإذا كان كذلك كانت القدرة موجبة [للترك (٣)] وذلك يوجب القول بالجبر.

الحجة الثالثة : إنه لو حصلت القدرة على الفعل ، لحصلت إما حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحد الجانبين على الآخر. والقسمان باطلان. فالقول بحصول هذه القدرة : محال. وإنما قلنا : إنه يمتنع حصول المكنة حال استواء الداعي. وذلك لأن الرجحان يناقض الاستواء ، فحصول الرجحان حال حصول الاستواء محال ، والمحال لا قدرة عليه. وإنما قلنا : إنه يمتنع حصول هذه المكنة حال حصول رجحان أحد الطرفين ، لأن الراجح واجب ، والمرجوح ممتنع. على ما يأتي برهانه مرارا ، والواجب والممتنع لا قدرة له عليه البتة. فإن قالوا : إنه حال الاستواء ، يمكنه إيقاع الترجيح في الزمان الثاني منه. فنقول : هذا باطل من وجهين :

الأول : إنه إما أن يكون المراد أن عند مجيء الزمان الثاني ، يمكنه إيقاع الترجيح في ذلك الزمان [أو يكون المراد : أن في الزمان الأول يمكنه إيقاع الترجيح في الزمان الثاني. والأول باطل ، لأن عند مجيء الزمان (٤)] الثاني ، إما أن يكون الحاصل استواء الدواعي ، أو رجحان أحد الجانبين. وحينئذ يعود التقسيم الأول. والثاني أيضا : باطل. لأن عند حصول الزمان الأول [يمتنع حصول الزمان الثاني ، لكن إيقاع الفعل في الزمان الثاني ، مشروط بحضور

__________________

(١) سقط (ل) ، (ط).

(٢) وهو محال [فقد حصل في العدم الثاني وجهان ، كل واحد منهما يمنع من كونه مقدورا وذلك محال] وإذا كان ... الخ : (ط) وعبارة (ل) مثل (ط) ولكن بسقط [وذلك محال].

(٣) للترك (ط) للفعل (ل) ، (طا).

(٤) (ط) من (ل) ، (ط).

١٣

الزمان الثاني ، الذي هو ممتنع الحضور في الزمان الأول (١)] والموقوف على الممتنع : ممتنع. فوجب أن يكون إيقاع الفعل في الزمان الثاني عند حضور الزمان الأول : ممتنعا. والممتنع لا قدرة عليه.

والثاني : إن على هذا التقدير ، يكون إيقاع الفعل حاصلا في الزمان الأول. ويكون وقوع الفعل حاصلا في الزمان الثاني. فهذا يوجب أن يكون إيقاع الفعل مغايرا لوقوعه. فنقول : ذلك المغاير المسمى بالإيقاع إن لم يكن واقعا بقدرة هذا الفاعل ، ووجب أن يكون الفعل الواقع بسبب هذا الإيقاع : غير واقع بهذا القادر. وإن كان واقعا بقدرة هذا الفاعل [وجب أن تكون قدرته متقدمة عليه. ثم الكلام فيه كما في الأول (٢)].

وهذا يوجب أن يكون كل إيقاع ، مسبوقا بإيقاع آخر ، إلى غير النهاية بحسب الزمان. وذلك يوجب أن تكون قدرة القادر ، متقدمة على حصول الأثر ، بأزمنة لا نهاية لها. وكل ذلك محال.

الحجة الرابعة : المكنة من الفعل والترك ، لو حصلت لحصلت إما حال حصول الفعل ، أو قبل حصوله ، أو بعد حصوله. والأقسام الثلاثة باطلة. فالقول بحصول هذه المكنة باطل. إنما قلنا : إنه يمتنع حصول القدرة على الفعل حال حصوله (٣) لأن حصول الترك حال حصول الفعل محال ، لأنه يوجب الجمع بين النقيضين وذلك محال ، والمحال لا قدرة عليه. فيثبت : أن حال حصول الفعل ، يمتنع كونه قادرا على الفعل والترك. وإنما قلنا : إنه يمتنع حصول القدرة على الفعل ، قبل حصوله. لأنه إما أن يكون المراد : إنه قبل حصول الفعل يكون موصوفا بأنه عند مجيء الزمان الثاني ، فإنه يصير موصوفا بأنه يقدر على الفعل. أو يكون المراد : أنه عند حصول الوقت الأول ، يمكنه إيقاع الفعل في الزمان الثاني منه. والأول محال. لأن عند حضور ذلك الوقت. إن كان الفعل حاضرا فلا قدرة فيه على الترك. وإن كان الترك

__________________

(١) سقط (ت).

(٢) سقط (ل) ، (ط).

(٣) حصول الفعل (ل) ، (ط ١).

١٤

حاضرا ، فلا قدرة فيه على الفعل. لأن ذلك يوجب الجمع بين النقيضين. والثاني أيضا باطل. لأن عند حضور الزمان الأول ، يمتنع حضور الزمان الثاني [وإيقاع الفعل في الزمان الثاني موقوف على حضور الزمان الثاني (١)] والموقوف على المحال محال والمحال لا قدرة عليه وإنما قلنا : إنه يمتنع حصول القدرة على الفعل بعد حصول الفعل. لأن ذلك معلوم بالبديهة ، فيثبت : أن القدرة على الفعل ـ بمعنى حصول المكنة من الفعل والترك ـ : ممتنعة الوجود قبل الفعل ومعه وبعده فكان القول بثبوت هذه القدرة : محالا.

الحجة الخامسة : إن المكنة التامة المتساوية ، بالنسبة إلى طرفي الفعل والترك. إذا حصلت ، فإن لم تحصل معها الداعية المرجحة ، امتنع صدور الفعل عنها ، وإن حصلت الداعية المرجحة ، فتلك القدرة مع تلك الداعية المرجحة الخالية عن المعارض ، تكون موجبة للفعل. فعلى هذا : الحاصل على أحد التقديرين : هو الامتناع (٢) وعلى التقدير الثاني حصل الوجوب. ولا قدرة البتة لا على الممتنع ، ولا على الواجب. فوجب أن لا تحصل المكنة (٣) من الفعل البتة. وهذه الوجوه الخمسة مستفادة من البحث الأول عن حال القدرة ، وعن كيفية تأثيرها في المقدور.

الحجة السادسة : إن العبد غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه لأنه إذا حرك إصبعه فهو لا يعرف أنه كم عدد من الجواهر الفردة حركها؟ وفي كم عدد من الأحياز ، حرك ذلك الإصبع؟ واختصاص العدد المعين بالوقوع دون الزائد والناقص ، لا بد وأن يكون [بالقصد ، لكن (٤)] القصد مشروط بالعلم. فإذا لم يحصل العلم ، لم يحصل القصد أيضا ، فامتنع كونه واقعا بإيقاعه ، موجودا بإيجاده.

الحجة السابعة : لو كانت قدرة العبد صالحة لإيجاد بعض الممكنات

__________________

(١) من (ل) ، (طا).

(٢) في (ط ، ت) : تقديم وتأخير.

(٣) ولا على الواجب إلا بحصول المكنة [ت].

(٤) من (ل) ، (ط).

١٥

[لكانت صالحة لإيجاد كل الممكنات (١)] لأن المصحح للمقدورية هو الإمكان. والإمكان مفهوم واحد مشترك فيه بين كل الممكنات ، لكن كون العبد قادرا على إيجاد كل الممكنات : باطل. وإلا لقدر على إيجاد نفسه ، وعلى إيجاد قدرته ، فوجب أن لا يقدر على إيجاد شيء من الممكنات.

الحجة الثامنة : إن مقدور العبد : مقدور لله تعالى [فوجب أن يقدر (٢)] لأن مقدور العبد مثل مقدور الله [والمثلان يتساويان في جواز الجائزات ، فكان مقدور العبد ، يصح أن يكون مقدورا لله (٣)] تعالى ، وإذا ثبت القول بهذه الصحة ـ والموجب لقادرية الله تعالى هو ذاته المخصوصة ، ونسبة ذلك الإيجاب إلى الشيء ، كنسبته إلى مثله ، فلما أوجبت ذاته القادرية على أحد المثلين ـ وجب أن توجب (٤) القادرية على المثل الثاني. فيثبت : أن مقدور العبد ، مقدور لله تعالى. وإذا ثبت هذا ، كان وقوعه بهما : محالا. لأن أحد السببين لما كان مستقلا بالاقتضاء ، فلو أثر الثاني فيه ، كان ذلك إيجاد للموجود ، وهو محال. فوجب أن يكون واقعا بأحدهما (٥) لكن هذا محال. لأنه لما كان واحد منهما سببا مستقلا بالاقتضاء ، فوقوعه بأحدهما دون الثاني ، يقتضي رجحان أحد طرفي الممكن [على الآخر (٦) من غير مرجح. وهو محال. ولما بطل هذا ، كان وقوعه بقدرة الله تعالى أولى. وذلك يمنع من كون العبد موجدا (٧).

الحجة التاسعة : لو صح الإيجاد من العبد. فإذا قصد العبد تحريك جسم ، وقصد الله تعالى تسكينه ، فإما أن يحصل المرادان معا وهو محال أو يمتنعا. وهو أيضا : محال. لأن المانع لكل واحد منهما عن تحصيل مراده : هو وقوع مراد الثاني. والمعلول لا يحصل إلا عند حصول العلة ، فلو حصل

__________________

(١) سقط (ت).

(٢) فوخب أن لا يقدر (ت ، ط) وهي ساقطة من (ل) ، (طا) والصحيح فوجب أن يقدر.

(٣) من (ل) ، (طا).

(٤) أن لا توجب (ط).

(٥) واقعا بأحدهما ، لكن هذا محال ، ولأنه : (الأصل).

(٦) من (ط).

(٧) العالم موجودا (ت ، ط).

١٦

الامتناعان معا ، لحصل التأثيران معا ، وذلك يوجب الجمع بين النقيضين ، أو يقع مراد أحدهما دون الثاني ، وذلك : محال. وذلك لأن الحركة الواحدة ، والسكون الواحد : لا يقبل التجزئة في العقل. وإذا كان ذلك كذلك ، كانت القدرة عليه (١) قابلة للقوة والضعف. وإذا كان كذلك ، كانت قوة كل واحد منهما في هذا الأثر الواحد ، معادلة لقوة الآخر. فإذا امتنع الفعل على أحدهما ، وتيسر للثاني ، مع أننا بينا حصول الاستواء في القوة : لزم الرجحان لا لمرجح [وهو محال (٢)].

الحجة العاشرة : لو أراد الله تعالى الإيمان من العبد ، ثم إن العبد أراد الكفر ، فإن وقع مراده ، ولم يقع مراد الله تعالى لزم كون العبد أكمل في القدرة من الله تعالى وذلك محال.

الحجة الحادية عشر : لو أراد الله الإيمان من العبد ، مع أنه علم منه أنه لا يؤمن ، لكان قد أراد منه الجمع بين الضدين ، وهذه الإرادة ممتنعة الحصول ، فوجب أن يكون القول بأن الله تعالى أراد الإيمان ، ممن علم أنه يكفر : محالا.

الحجة الثانية عشر : لو كان فعل العبد واقعا بإيجاده ، لوقع عين ما أراده العبد. وكل واحد لا يريد إلا الحق والصدق والصواب. فوجب أن يحصل الصدق والحق والصواب لكل أحد ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، بل الأكثرون في الجهل والضلال. علمنا : أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره. وذلك يوجب القول بالجبر.

واعلم أن هذه الوجوه التسعة (٣) [هي دلائل المتكلمين من أهل الجبر (٤)].

__________________

(١) غير قابلة (ت ، ط).

(٢) من (ط).

(٣) السبعة (ل) ، (طا).

(٤) من (ل) ، (طا).

١٧

الحجة الثالثة عشر : إنه تعالى عالم بجميع الجزئيات ، وما علم الله تعالى وقوعه فهو واجب الوقوع ، وما علم عدمه فهو ممتنع الوقوع [لأن العلم بالوقوع يناقضه عدم الوقوع (١)] والجمع بين النقيضين : محال [ولما كان العلم بالوقوع حاصلا ، كان اللاوقوع الذي هو نقيضه ممتنعا ، محالا (٢)] والممتنع المحال لا قدرة عليه.

ويمكن إيراد هذه الحجة على طريق آخر.

ويقال : الله تعالى. إما أن يكون [عالما بالجزئيات ، وإما أن لا يكون. فإن كان الأول كان الجبر لازما. وإذا ثبت (٣)] الجبر. بطل القول بالتكليف والنبوة ـ على ما سيأتي تقريره ـ وإن لم يكن عالما بالجزئيات كان القول ببطلان التكليف والنبوة ألزم.

الحجة الرابعة عشر : إنه تعالى أخبر عن كفر الكفرة ، فلو لم يوجد ذلك الكفر لانقلب خبر الله تعالى كذبا [وهو محال (٤)] والمفضي إلى المحال : محال ، فكان [عدم صدور الكفر عنهم محالا فكان] (٥) صدور الكفر عنهم واجبا. فكان الجبر لازما.

الحجة الخامسة عشر : القضايا إما واجبة أو ممتنعة أو ممكنة. أما الواجب والممتنع فلا قدرة عليه البتة ، وأما الممكن فإما أن يعتبر في الماضي أو في الحال أو في المستقبل. أما في الماضي وفي الحال : فأحد الجانبين واقع. والواقع لا قدرة عليه. وأما في المستقبل فنقول : إنا إذا قلنا : إن المطر سينزل غدا ، ولا ينزل غدا. فأحد النقيضين لا محالة [واقع واجب (٦)] وإلا لخلت القضية عن النفي والإثبات معا ، وهو محال. وإذا ثبت هذا فنقول : إما أن يكون الحق

__________________

(١) من (ل) ، (طا).

(٢) سقط (ت) وفي (ط) ممتنعا لا فاله.

(٣) سقط (ت).

(٤) سقط (ل) ، (طا).

(٥) من (ل) ، (طا).

(٦) سقط (ل) ، (طا).

١٨

أحدهما بعينه أو لا بعينه. والثاني محال. لأن ما لا يكون متعينا في نفسه ، امتنع كونه موجودا [وما يمتنع كونه موجودا (١)] يمتنع اتصاف غيره به ، فكان يجب أن يكون قولنا : إن هذه القضية واجبة الاتصاف بأحدهما لا بعينه : قولا محالا. ولما بطل هذا ، ثبت : أن القول بأن الواجب أحدهما [لا بعينه قول باطل ، فوجب أن يكون الواجب هو أحدهما (٢)] بعينه. وإذا كان كذلك ، كان نقيضه محالا ، فكان القول بالجبر لازما.

فيثبت بهذه الوجوه الخمسة عشر : أن القول بالجبر حق. وتمام الكلام في هذا الباب سيأتي في الكتاب التاسع (٣) [إن شاء الله تعالى (٤)].

وأما المقدمة الثانية : فهي في بيان أنه متى كان القول بالجبر حقا ، كان القول ببطلان التكليف حقا. فالدليل عليه : أن العبد ما لم يكن قادرا على الفعل والترك ، كان أمره عبثا ، لأن ما يوجب الفعل ـ إن حصل ـ فذلك الفعل حاصل وجوبا ، سواء أراده العبد ، أو لم يرده [وإن حصل ما يوجب الترك ، فذلك الترك حاصل ، سواء أراده العبد ، أو لم يرده (٥)] وإذا كان كذلك ، فنقول :

القائل له : افعل : أو لا تفعل : يكون جاريا مجرى ، ما إذا قيل له : افعل يا من لا يفعل. وأيضا. فلو جاز ذلك ، لجاز أن يؤمر بطوله وقصره ولونه ، لجاز أن يؤمر بإيجاد السموات والعرش والكرسي ، مع أنه لا قدرة له على شيء منها. وأيضا : لو جاز ذلك ، لجاز إرسال الرسل إلى العميان بنقط المصاحف ، وإلى المفلوجين بأن يطيروا إلى السموات. وكل ذلك ظاهر الفساد.

__________________

(١) سقط (ت).

(٢) سقط (ت).

(٣) هذا يدل على أن كتاب «الجبر والقدر» أو «القضاء والقدر» من أجزاء «المطالب العالية من العلم الإلهي».

(٤) من (ل) ، (طا).

(٥) من (ل) ، (طا).

١٩

فثبت : أن القول بالجبر حق. وثبت : أنه متى [كان القول بالجبر حقا ، كان القول ببطلان التكليف حقا.

وأما المقدمة الثالثة : في بيان أنه لما (١)] كان القول ببطلان التكليف حقا ، كان القول ببطلان النبوة حقا ، فتقريره : أن الأنبياء بصريح لسانهم ، وفصيح بيانهم ، يذكرون أنه لا فائدة في بعثتهم ولا مقصود من إرسالهم إلا تبليغ التكاليف ، وأنه لو لا هذا المقصود ، لم يكن في إرسالهم فائدة البتة.

وإذا ثبت هذا ، وثبت أن القول بالتكليف باطل ، كان القول بإرسالهم باطلا.

وهذه الشبهة في نفي النبوات ، قد حكاها الله تعالى في القرآن مرارا ، وهو قوله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا : لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا ، وَلا آباؤُنا ، وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا) (٢) [والله أعلم (٣)].

__________________

(١) من (ل) ، (طا).

(٢) الأنعام ١٤٨.

(٣) من (ل) ، (طا).

٢٠