وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب ، وهو عمود الخشوع ، وعليه مدار الذل والخضوع. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة : وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه إلى ربه استسلاما ، وجهده في خدمته إكبارا واستناده إليه اتكالا ، وسكونه له طمأنينة (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً) [الفجر : ٢٧ ، ٢٨] ، ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة هذا الحرف والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه ، لأن اتباع المتشابه زيغ لقصور العقل والفهم عن نيله ، ووجوب الاقتصار على الإيمان به من غير موازنة بين ما خاطب الله به عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد للاعتبار ، سبحانه من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.
وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق : ١] الآيات ، وما قدم في الترتيب في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) إلى ما ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب التي هي المعرفة (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : ٥٦] فليكن أول ما تدعوهم إليهم عبادة الله فإذا عرفوا الله ، ومن ذكر عبادة النفس التي هي الإجمال في الصبر وحسن الجزاء (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) [الكهف : ٢٨] (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) [الرعد : ٢٢] (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) [المؤمنون : ٢] لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه إلى سائر أحوال العبد التي يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب ، وما تقدم من حرفي الحلال والحرام لإصلاح الدنيا ، وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابه ، والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق وعياذ من العتق ، فلذلك هو أول الاختصاص ومبدأ الاصطفاء وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك في نفس ولا غير ، ولذلك بدىء بتنزيله النبي العبد ، وهو ثمرة ما قبله وأساس ما بعده ، وهو للعبد أحوال محققة لا يشركه فيها ذو رثاء ولا نفاق ، ويشركه في الأربعة المتقدمة ـ يعني النهي والأمر والحلال والحرام ، لأنها أعمال ظاهرة فيتحلى بها المنافق ، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة ، ولا بالخشوع ولا بالخضوع ، ولا بالشوق للقاء ولا بالحزن في الإبطاء ، ولا بالرضا بالقضاء ، ولا بالحب الجاذب للبقاء في طريق الفناء ، ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة في القرآن وأحاديثه الواردة للبيان ، وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمن (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) [الفرقان : ٦٣] الذين ليس للشيطان عليهم سلطان (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) [الحجر : ٤٢ ، والإسراء : ٦٥].
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
