ولذلك قال عليهالسلام : «من اغتصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين» (١) وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها ؛ وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلى ما علا عليها. ثم قال : ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد ـ انتهى.
ولما أمر بعبادته وذكرهم سبحانه بما يعلمون أنه فاعله وحده حسن النهي عن أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من ذلك بفاء التسبب عن الأمرين كليهما قال معبرا بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ على تألّه الغير (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ) أي ما إحاطته بصفات الكمال. ويجوز أن يكون مسببا عن التقوى المرتجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب (أَنْداداً) أي على حسب زعمكم أنها تفعل ما تريدون. قال الحرالي : جمع ند وهو المقاوم في صفة القيام والدوام ، وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال أدنى منها ترين الغفلة على القلوب ، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة أو من أي ذي يد عليا كان ، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق خوفهم منهم فتذللوا لهم وخضعوا ، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت وجعلوهم لله أندادا ـ انتهى. وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون فإنه يلوّح إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان في عداد البهائم. وفيه كما قال الحرالي : إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء ، فمن جعل لله ندا مما حوته السماء والأرض واستمد من الماء فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم ـ انتهى. وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت (٢) على من ترك هذا القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٤٥٢ و ٣١٩٨ ومسلم ١٦١٠ والترمذي ١٤١٨ وعبد الرزاق ١٩٧٥٥ وأحمد ١ / ١٨٨ و ١٨٩ وأبو يعلى ٩٥٦ ، ٩٥٩ ، ٩٦٢ وابن حبان ٣١٩٥ وأبو نعيم في الحلية ١ / ٩٦ ، ٩٧ والطبراني ٣٥٢ و ٣٥٣ ، ٣٥٤ من طرق كثيرة كلهم من حديث سعيد بن زيد. وورد من حديث عائشة أخرجه البخاري ٢٤٥٣ ومسلم ١٦١٢ وورد من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم ١٦١١.
ومن حديث ابن عمر أخرجه البخاري ٢٤٥٤ ، ٣١٩٦ فهو حديث مشهور بأسانيد صحيحة. وفي رواية : «من ظلم شبرا ...».
(٢) التبكيت : كالتقريع والتعنيف وبكّته بالحجة تبكيتا غلبه ا ه. مختار.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
