القيوم» (١) انتهى. ثم بين جميع ما مضى بقوله : (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي : أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم ، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه ، وما علمه أيضا فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه (وَما خَلْفَهُمْ) وهو ما لم ينله علمهم ، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس ، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا ـ انتهى.
ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ) أي قليل ولا كثير (مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ) فبان بذلك ما سبقه ، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة ، فكان كل شيء في قبضته ، فكان منزها عن الكفوء متعاليا عن كل عجز وجهل ، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلّا بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده.
ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصورا لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك. وقال الأصفهاني : الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي : معنى الكرس هو الجمع ، فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق بمعناه ، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء : كرسي ، ثم قال : والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها ، فما في الأرض صورة إلّا ولها في الكرسي مثل ، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته ، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته ، فكان الوجود مثنيا كما كان القرآن مثاني إجمالا وتفصيلا في القرآن ومدادا وصورا في الكون ، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه ، وجعل وسع الكرسي وسعا واحدا حيث قال : (السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي
__________________
(١) صحيح. مراد المصنف ما أخرجه البخاري ٤٥٨١ و ٤٩١٩ و ٧٤٣٩ ومسلم ١٨٣ و ١٨٤ وعبد الرزاق ٢٠٨٥٧ وأحمد ٣ / ١٦ وابن حبان ٧٣٧٧ وابن ماجه ١٧٩ وابن خزيمة في التوحيد ص ١٧٢ كلهم من حديث أبي سعيد في حديث الرؤية والشفاعة ، وفيه : «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ، فيقول الجبّار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار ، فيخرج أقواما قد امتحشوا ، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبّة في حميل السّيل ... الحديث.
هذا اللفظ للبخاري برقم ٧٤٣٩ وأتم والباقون رووه مطولا ومختصرا.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
