سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولا ، ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره ، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريرا فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم ، وأسقط الفوقية هنا إكراما للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معينا بعض ما اقتضاه التفضيل : (دَرَجاتٍ) أي عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات الباقية ؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة ، من غير تبديل ولا تحريف ، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع ، وبكونه رحمة العالمين ، وأمته خير أمة أخرجت للناس ، وكونه خاتما للنبيين الذين أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ، فلا نبي بعده ينسخ شريعته ، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسّلام مقررا لشريعته مجددا لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسّلام ، ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام أكثر من آيات من سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك ، فكان فيه إظهار الفضل لنبينا صلىاللهعليهوسلم ، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي ، وإبهامه يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن إبهامه في الظهور والجلاء كذكره ، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه.
ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسى صلىاللهعليهوسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسّلام قال صارفا القول إلى مظهر العظمة تهديدا لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر : (وَآتَيْنا) بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك (عِيسَى) ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال : (ابْنَ مَرْيَمَ) أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكر أصلا (الْبَيِّناتِ) من إحياء الموتى وغيره. قال الحرالي : والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده ، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعالى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله ، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله ، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر ، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه (وَأَيَّدْناهُ) أي بعظمتنا البالغة (بِرُوحِ الْقُدُسِ) في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسّلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال سبحانه وتعالى : (فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا) [مريم : ١٧] كذلك كان فعله مع تأييده ؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسّلام موازنة ابتدائية ، حيث كان أمر موسى من
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
