قال : هذا صدق ، وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) [الزمر : ٣٣] وقوله (قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ) [ص : ٨٤] (بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) [الصافات : ٣٧] و (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) [فاطر : ٣١] ، وكذا (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ) [الحجر : ٨٥] أي أن هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه ، وهذا الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئا وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا ؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار : أو بسبب الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه ، وقوله (وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) [الحجر : ٦٤] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ثابت ، لأن مضمونه إذا وقع فنسبته إلى الخبر علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن صادقون فيه ، أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقا له فعلمت صدقنا فيه ؛ والذي لا يدع في ذلك لبسا قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسّلام (قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا) [يوسف : ١٠٠] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها ، وأما صدقه صلىاللهعليهوسلم فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين إخباره صلىاللهعليهوسلم فإن خبره كان حين إخباره به مطابقا للواقع ، وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها ؛ فإن قيل : تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعدا يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به ، فهب أنّا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته ، قيل إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب ، بخلاف باب التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك ، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت والخبر أحق باسم الصدق ، والواقع طالب لخبر يطابقه ليعرف على ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقا. وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع ، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه ، إذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به ، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب ـ والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما ثبت أن التلاوة عليه صلىاللهعليهوسلم حق قال تعالى : (وَإِنَّكَ) أي والحال أنك (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) بما دلت هذه الآيات عليه من علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
