راحلة» (١) وقوله صلىاللهعليهوسلم «لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (٢) فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء ، ولا يزال يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك ، ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يسأله العفو والعافية.
ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات ، وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله ، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان بشيء من مثاله ، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله : (تِلْكَ) أي الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم ، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم ؛ والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة (آياتُ اللهِ) أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته ، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم للذات جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر والتعالي فقال : (نَتْلُوها) أي ننزلها شيئا في إثر شيء بما لنا من العظمة (عَلَيْكَ) تثبيتا لدعائم الكتاب الذي هو الهدى ، وتشييدا لقواعده (بِالْحَقِ) قال الإمام سعد الدين التفتازاني (٣) في شرح العقائد : الحق الحكم المطابق للواقع ، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل ، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب ، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع. وفي الصدق من جانب الحكم ؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع. ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه ـ انتهى. فمعنى الآية على هذا : إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص ، فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها ، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه ، ويكون الخبر عنها صدقا لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص ؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر ، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون حقا ، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع ، فإنه ينظر إلى الخبر ، فإن وجده مطابقا للواقع
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٤٩٨ ومسلم ٢٥٤٧ والديلمي ٦٨٨١ وأحمد ٢ / ١٠٩ كلهم من حديث ابن عمر. ولفظ البخاري : إنما الناس كالإبل ...». ولفظ مسلم : تجدون الناس كإبل ...».
(٢) تقدم قبل بضعة أحاديث. رواه البخاري وغيره.
(٣) هو الإمام العلامة المتكلم سعد الدين بن مسعود التفتازاني صاحب شرح العقائد النسفية مات سنة ٧٩١ ا ه. والله تعالى أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
