أشباههم بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل إظهارا لشرف نبيهم صلىاللهعليهوسلم ، ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له العظمة كلها بما له من الجلال والعظمة والكمال (لَذُو فَضْلٍ) أي عظيم (عَلَى النَّاسِ) أي كافة مطيعهم وعاصيهم. قال الحرالي : بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله سبحانه وتعالى أحياهم لتجدد فضله عليهم ـ انتهى. كما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن أحياكم من موت العبودية وذلك الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهورا طويلة وكما تفضل عليكم أيها العرب بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) كرر الإظهار ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم (لا يَشْكُرُونَ) وذلك تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته لهم في اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسّلام ، وفي هذا الأسلوب بعد هذه المناسبات إثبات لقدرته سبحانه وتعالى على الإعادة وجرّ لمنكر ذلك إلى الحق من حيث لا يشعر. قال الحرالي : والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسرا فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكرا ، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمنا وصلاحا ، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. فلما أودعه سبحانه وتعالى في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفورا ، ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكورا ، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم ، ففي اعتبار هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت. قال بعض التابعين رضي الله تعالى عنهم : لقد رأينا أقواما يعنون من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم اليوم ؛ وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم ـ انتهى. وما أحسن الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى قوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة : ٢١٦] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم ؛ قال أهل التفسير : إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسّلام ؛ وقال البغوي : إنه ثالث خلفائهم ، والذي رأيته في سفر الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى عليه الصلاة والسّلام
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
