الآيات من قوله : (أَلَمْ تَرَ) ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم ، قال عليه الصلاة والسّلام : «إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» (١) وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم ـ انتهى.
ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال : (إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا) أي ممن تقدمكم من الأمم (مِنْ دِيارِهِمْ) التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت (وَهُمْ أُلُوفٌ) أي كثيرة جدا تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير. قال الحرالي : فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي صلىاللهعليهوسلم الدعاء «إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة» (٢) انتهى. (حَذَرَ الْمَوْتِ) فرارا من طاعون وقع في مدينتهم أو فرارا من عدو دعاهم نبيهم إلى قتاله ـ على اختلاف الرواية ـ ظنا منهم أن الفرار ينجيهم.
ودل سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسببا عن خروجهم على هذا الوجه : (فَقالَ لَهُمُ اللهُ) أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله (مُوتُوا) أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور وبصرهم إعلاما بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه من إغضاب
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٤٧٣ و ٥٧٢٨ و ٦٩٧٤ ومسلم ٢٢١٨ من وجوه ، ومالك ٢ / ٨٩٦ وأحمد ٥ / ٢٠٢ ـ ٢٠٧ ـ ٢١٠ وابن حبان ٢٩٥٢ والبيهقي ٧ / ٢١٧ والبغوي ١٤٤٣ كلهم من حديث أسامة بن زيد : الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه.
وورد من حديث عبد الرحمن بن عوف حدث به عمر لما أراد دخول الشام ، وفيها الطاعون ، فرجع. وقد أخرجه البخاري ٥٧٣٠ و ٦٩٧٣ ومسلم ٢٢١٩ ومالك ٢ / ٨٩٦ ـ ٨٩٧ وأحمد ١ / ١٩٤ وابن حبان ٢٩١٢ والبيهقي ٣ / ٣٧٦ كلهم من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
(٢) ضعيف. أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ١٠ / ١٤٦ والخطيب في تاريخ بغداد ٨ / ٤٥٣ وابن عدي ٣ / ٢١٣ والحاكم ١ / ٤٩٢ كلهم من حديث عائشة وصدره : «لا يغني حذر من قدر ، والدعاء ينفع مما نزل ، ومما لم ينزل ، وإن البلاء لينزل ، فيتلقاه الدعاء ...» الحديث. صححه الحاكم ، ورده الذهبي بأن زكريا بن منظور مجمع على ضعفه. وكذا قال الحافظ في التقريب ضعيف.
وورد من حديث أبي هريرة كما في المجمع ١٠ / ١٤٦ قال الهيثمي : رواه البزار وفيه إبراهيم بن خثيم : متروك. ا ه. فالحديث ضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
